سـ/ هل يشـــرع الشــرك وسيــله لتحقيق التوحـــيد سـ/ هل يباح الشرك من أجل المصلحة
جـ1/ لا يشرع اتخاذ الشرك وسيلة لتحقيق التوحيد
_____________________________
قد يجادل البعض في نوع خاص من المصلحة فيدعي أن المصلحة إذا كانت لتحقيق التوحيد فإنه يشرع لأجلها خاصة الترخص في الكفر والشرك ..!
ونريد هنا بيان أن الكفر لا يباح لأجل المصلحة ويشمل كل المصالح بما في ذلك مصلحة إقامة التوحيد ‘ فلا يشرع الدخول في الشرك من أجل محاربة الشرك ‘ ولا يشرع نقض التوحيد من أجل إقامة التوحيد وهذا أصل معلوم لا خلاف فيه بين أهل العلم.
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب :
------------------------------
(إذا عرفت أن أعظم أهل الإخلاص وأكثرهم حسنات، لو قال كلمة الشرك مع كراهيته لها ليقود غيره بها إلى الإسلام حبط عمله وصار من الخاسرين؛ فكيف بمن أظهر أنه منهم، وتكلم بمائة كلمة؛ لأجل تجارة، أو لأجل أن يحج ؟)الجواهر المضية - (1 / 19).
ومن الأدلة في هذه المسألة :
------------------------------
أولا :
----
قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)} [الكافرون: 1 - 6]
سبب نزول السورة :
قال ابن جرير الطبري :
---------------------
(حدثني محمد بن موسى الحَرشي، قال: ثنا أبو خلف، قال: ثنا داود، عن عكرِمة، عن ابن عباس: أن قريشا وعدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطوه مالا فيكون أغنى رجل بمكة، ويزّوجوه ما أراد من النساء، ويطئوا عقبه، فقالوا له: هذا لك عندنا يا محمد، وكفّ عن شتم آلهتنا، فلا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل، فإنا نعرض عليك خصلة واحدة، فهي لك ولنا فيها صلاح. قال: "ما هي؟" قالوا: تعبد آلهتنا سنة: اللات والعزي، ونعبد إلهك سنة، قال: "حتى أنْظُرَ ما يأْتي مِنْ عِنْدِ رَبّي"، فجاء الوحي من اللوح المحفوظ:{ قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ } السورة، وأنزل الله:{ قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ } ... إلى قوله:{ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ } .
وحدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلَية، عن محمد بن إسحاق، قال: ثني سعيد بن مينا مولى البَختري قال: لقي الوليد بن المُغيرة والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، وأميَّة بن خلف، رسول الله، فقالوا: يا محمد، هلمّ فلنعبد ما تعبد، وتعبدْ ما نعبد، ونُشركك في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيرا مما بأيدينا، كنا قد شَرِكناك فيه، وأخذنا بحظنا منه; وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما في يديك، كنت قد شَرِكتنا في أمرنا، وأخذت منه بحظك، فأنزل الله:{ قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ } حتى انقضت السورة .) تفسير الطبري - (24 / 703)
وقال القرطبي:
(وقال أبو صالح عن ابن عباس: أنهم قالوا لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لو استلمت بعض هذه الآلهة لصدقناك، فنزل جبريل على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهذه السورة فيئسوا منه، وآذوه، وآذوا أصحابه.) تفسير القرطبي - (20 / 225)
المعنى :
لقد بينت هذه السورة الكريمة أمرين هامين وهما: أن الشرط الذي اشترطه كفار قريش لا يشرع قبوله بحال مهما كان فيه من المصلحة التي ترجع إلى الدين نفسه .
وأن عبادتهم لله تعالى على هذا النحو غير صحيحة لما فيها من مخالطة الشرك .
قال القرطبي :
(وقيل: إن معنى الآيات وتقديرها: قل يا أيها الكافرون لا أعبد الأصنام التي تعبدونها، ولا أنتم عابدون الله عز وجل الذي أعبده، لاشراككم به، واتخاذكم الأصنام، فإن زعمتم أنكم تعبدونه، فأنتم كاذبون، لأنكم تعبدونه مشركين.) تفسير القرطبي - (20 / 228)
وقال ابن كثير :
( أي: ولا أعبد عبادتكم، أي: لا أسلكها ولا أقتدي بها، وإنما أعبد الله على الوجه الذي يحبه ويرضاه؛ ولهذا قال: { وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ } أي: لا تقتدون بأوامر الله وشرعه في عبادته، بل قد اخترعتم شيئًا من تلقاء أنفسكم، كما قال: { إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى } [النجم: 23] فتبرأ منهم في جميع ما هم فيه، فإن العابد لا بد له من معبود يعبده، وعبادة
يسلكها إليه، فالرسول وأتباعه يعبدون الله بما شرعه؛ ولهذا كان كلمة الإسلام "لا إله إلا الله محمد رسول الله" أي: لا معبود إلا الله ولا طريق إليه إلا بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، والمشركون يعبدون غير الله عبادة لم يأذن بها الله؛) تفسير ابن كثير / دار طيبة - (8 / 507)
ويستفاد من هذه السورة الكريمة وجوب الالتزام بالتوحيد الخالص الذي لا يخالطه شيء من الشرك ‘ فإن الشرك والتوحيد نقيضان لا يجتمعان ولهذا فقد فأبى عليه الصلاة والسلام إلا الثبوت على محض الحق والمحافظة على خالص التوحيد دون أن يخالطه شيء من الشرك .
فهذه السورة براءة كاملة و مفاصلة تامة ومقاطعةٌ بين الشرك والتوحيد وبيان واضح بأنهما لا يمكن أن يجتمعا لحظة واحدة .
قال القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمذانى :
---------------------------------------
(كيف يجبههم بالإكفار و التجهيل و التضليل، و هم أشد عالم اللّه أنفة و نخوة و جبرية، و دفاعا عن انفسهم، و مواثبة لعدوهم، و هو بمكة معهم و في ايديهم و في قبضتهم، و العزّة و الغلبة و الكثرة لهم لا له، فهيجهم على نفسه بهذا القول، و بعثهم على مكروهه، فنجاه اللّه منهم.
فاعرف هذه القصة و احفظها فانها عظيمة جليلة، و لهذا قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم: «من قرأ سورة {قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ} فكأنما قرأ ثلث القرآن». و كان يقال في صدر الاسلام ل {قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ} و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} المقشقشتان اي هما براء من الشرك، يقال للجرح اذا برأ و اندمل: تشقشش الجرح.) تثبيت دلائل النبوة - (1 / 57)
ثانيـــــــــــــا :
________
قال تعالى :{ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)} [الإسراء: 73 - 75]
وقد أورد ابن جرير في تفسيره سببين لنزول هذه الآيات فقال:
(اختلف أهل التأويل في الفتنة التي كاد المشركون أن يفتنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بها عن الذي أوحى الله إليه إلى غيره، فقال بعضهم: ذلك الإلمام بالآلهة، لأن المشركين دعوه إلى ذلك، فهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القُمِّي، عن جعفر، عن سعيد، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلم الحجر الأسود، فمنعته قريش، وقالوا: لا ندَعُه حتى يلم بآلهتنا، فحدّث نفسه، وقال: ما عَلَيَّ أنْ أُلِمَّ بِها بَعْدَ أنْ يَدَعُونِي أسْتَلِمُ الحَجَرَ، وَالله يَعْلَمُ أنّي لَهَا كارهٌ، فَأَبى الله، فَأَنزلَ الله { وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ } الآية.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسن، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: قالوا له: ائت آلهتنا فامْسَسْها، فذلك قوله {شَيْئًا قَلِيلا } .
وقال آخرون: إنما كان ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أن ينظر قوما بإسلامهم إلى مدة سألوه الإنظار إليها.
* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله { وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا } وذلك أن ثقيفا كانوا قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله أجِّلنا سنة حتى يُهْدَى لآلهتنا، فإذا قبضنا الذي يُهْدى لآلهتنا أخذناه، ثم أسلمنا وكسرنا الآلهة، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم، وأن يؤجِّلهم، فقال الله{ وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا } ) تفسير الطبري - (17 / 507).
وسواء كان سبب نزول الآيات هو الأمر الأول أو الثاني أو هما معا فإن كلا من استلام الأصنام وإقرار ثقيف على عبادة أصنامهم سنة واحدة بالشروط التي ذكرها الكفار فيها مصلحة دينية لكن الله تعالى سمى ذلك فتنة .
وفي ذلك دليل على أن الشرك لا يباح لأي مصلحة ولو كانت دينية .
ثالثــــــــآ:
______
الشرك محبط للأعمال كلها كما قال تعالى: مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم: { وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [ الزمر: 65] .
وقد ذكر الله تعالى ثمانية عشر من أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام ثم قال: { ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [ الأنعام: 83-88] .
فدلّ ذلك على أن الشرك مُحبط للعمل، ولو صدر من الأنبياء، ومن باب أحرى إذا صدر ممن هو دونهم من العلماء والدعاة وغيرهم،
وإذا كان الشرك محبطا للعمل فكيف يمكن أن يكون وسيلة إلى الخير أو تحقيق المقاصد الشرعية ؟... بل هو مبطل لسائر الأعمال والعبادات، ولا يصحُّ معه عمل.
رابعــــــا :
______
قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا } [النساء: 36]
فقد نهى الله تعالى عن الشرك نهيا عاما وعبر بكلمة "شيئا" التي هي أعم النكرات .
قال في المقتضب: "أعمّ النّكرات (شيء)؛ لأنّه مبهم في الأشياء كلّها".
وقال أبو البقاء في الكلّيّات: "والنّكرات بعضها أنكر من بعض كالمعارف؛ فأنكر النّكرات: (شيء)".
وإذا كانت الآية نهيا عاما عن الشرك فلا يشرع الترخص في أي فعل فيه شرك إلا بدليل خاص .
خامسا:
______
بين الله تعالى أنه لا يغفر الشرك أبداً فقال: { إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً } [النساء: 116] .
و توعد الله تعالى كل من وقع في الشرك بقوله: { إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ } [المائدة:72]،
وفي معجم الطبراني: (الدواوين عند الله يوم القيامة ثلاثة دواوين: ديوان لا يغفر الله منه شيئاً، وهو الشرك بالله، ثم قرأ: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ}، وديوان لا يترك الله منه شيئاً، وهو: مظالم العباد بعضهم بعضاً، وديوان لا يعبأ الله به، وهو: ظلم العبد نفسه بينه وبين ربه).
ويقول الشيخ حافظ حكمي في معارج القبول :
------------------------------------------
(فالشرك أعظم ذنب عصي الله به؛ ولهذا أخبرنا سبحانه أنه لا يغفره وأنه لا أضل من فاعله، وأنه مخلد في النار أبدا لا نصير له ولا حميم ولا شفيع يطاع، وأنه لو قام لله تعالى قيام السارية ليلا ونهارا ثم أشرك مع الله تعالى غيره لحظة من اللحظات ومات على ذلك، فقد حبط عمله كله بتلك اللحظة التي أشرك فيها ولو كان نبيا رسولا، ولو كان محمدا صلى الله عليه وسلم، ) معارج القبول بشرح سلم الوصول - (2 / 476).
وإذا كان الشرك بهذه المنزلة فكيف يكون وسيلة إلى الخير ؟
سادسا :
_____
قال- تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً}،
وقال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [الزمر:2]
فقد ذكر الله تعالى في هاتين الآيتين أن العبادة لا بد أن تكون خالصة من الشرك وأن انتفاء الشرك شرط لصلاح الأعمال كلها.
وإذا كان انتفاء الشرك شرطا لصلاح الأعمال فلا يمكن أن يكون الشرك وسيلة إلى الخير .
سابــعا:
_____
قال تعالى: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ } [النحل:36].
فبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أن أصل الدعوة وأساسها الذي بعثت به كل الرسل هو عبادة الله تعالى واجتناب عبادة الطاغوت أي الشرك .
فدل هذا على أن الشرك لا يمكن أن يكون وسيلة إلى الخير لأنه هو رأس الشر وجماع المنكر .
ثامنــــا :
______
قال تعالى: { أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ }.
ولو كان الشرك وسيلة إلى الخير لكان مقبولا من هؤلاء المشركين عبادتهم لأصنامهم بحجة التقرب إلى الله تعالى .
ولكن الله تعالى رد عليهم قولهم وأبطل عذرهم وبين انه لا يقبل أي عمل فيه شرك .
تاســـعا :
______
أن الدعوة إلى الله على هدي النبي صلى الله عليه وسلم من شرطها أن تكون خالصة نقية لا يخالطها أي شرك،
كما قال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108]
فقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخبر عن دعوته بأنها دعوة إلى التوحيد الخالص على بصيرة وعلم وأنه في دعوته هذه مجتنب للشرك وبعيد منه .
قال الإمام ابن جرير رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة: " يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد هذه: الدعوة التي أدعو إليها والطريقة التي أنا عليها من الدعاء إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له دون الآلهة والأوثان والانتهاء إلى طاعته وترك معصيته . سبيلي وطريقتي ودعوتي أدعو إلى الله: تعالى وحده لا شريك له . على بصيرة بذلك ويقين علم مني أنا ومن اتبعني؛ أي: ويدعو إليه على بصيرة أيضا من تبعني وصدقني وآمن بي . وسبحان الله يقول له تعالى ذكره وقل تنزيها لله تعالى وتعظيما له من أن يكون له شريك في ملكه أو معبود سواه في سلطانه وما أنا من المشركين: يقول: وأنا بريء من أهل الشرك به، لست منهم ولا هم مني " . انتهى كلام ابن جرير .
وفي هذا دليل على أن الشرك لا يمكن أن يكون وسيلة للدعوة .
عاشــرا :
_______
الأمور المحرمة والمخالفات الشرعية لا يجوز أن تكون وسيلة للدعوة ومن الأدلة على ذلك :
1-قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ) رواه مسلم من حديث أبي هريرة.
ويستفاد من هذا الحديث أن الله تعالى لا يقبل من الوسائل الدعوية إلا ما كان طيبا لا معصية فيه ولا مخالفة .
ومن صور ذلك: أنه لا يجوز كسب الربا من أجل بناء المساجد .
ولا يجوز سرقة أموال الأغنياء للإنفاق على الفقراء .
ولا يحوز للأرملة التكسب بالزنا للإنفاق على ما لديها من أيتام :
أمطعمة الأيتام من كد فرجها ... لكي الويل لا تزني ولا تتصدقي !
2- قال تعالى: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 52].
فنهى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجعل طرد ضعفاء المسلمين وسيلة لدعوة كبار الكافرين .
قال ابن جرير في سبب نزول هذه الآية :
(حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، وحدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة، والكلبي، أن ناسا، من كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن سرك أن نتبعك فاطرد عنا فلانا وفلانا، ناسا من ضعفاء المسلمين . فقال الله تعالى: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه}) [تفسير الطبري - (9 / 261)] .
3- انعقد إجماع أهل العلم على تحريم وضع الأحاديث في الفضائل وإن كان في ذلك مصلحة ترغيب الناس في الخير ودعوتهم إليه .
ومن أمثلة ذلك ما كان يفعله نوح ابن أبي مريم يزيد بن عبد الله، أبو عصمة المروزى، عالم أهل مرو، أخذ الفقه عن أبى حنيفة وابن أبى ليلى، والحديث عن حجاج بن أرطاة، والتفسير عن الكلبى ومقاتل، والمغازى عن ابن إسحاق، وروى عن الزهري، وابن المنكدر.وكان مع ذلك كله عارفا بأمور الدنيا ولهذا سمي بنوح الجامع .
قال ابن حبان جمع كل شيء إلا الصدق !
قال السيوطي في بيان بعض موضوعاته:
(ومن أمثلة ما وضع حسبة ما رواه الحاكم بسنده إلى ابن عمار المرزوي أنه قيل لأبي عصمة نوح بن أبي مريم من أين ذلك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة وليس عند أصحاب عكرمة هذا فقال إني رأيت الناس قد اعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة ) تدريب الراوي - (1 / 282).
فهو لم يقصد بكذبه على النبي صلى الله عليه وسلم إلا الاحتساب في جعل الناس يهتمون بالقرآن !!
وصدق أبو حنيفة حين قال: البول في المسجد أحسن من بعض الرأي !!
ولهذا اشتد نكير أهل العلم على كل من يتخذ المحرمات وسيلة لنشر الخير ودعوة الناس كما قال ابن القيم رحمة الله عليه:
( ما أكثر من يتعبد لله بما حرمه الله عليه ويعتقد أنه طاعة وقربة وحاله في ذلك شر من حال من يعتقد ذلك معصية وإثما كأصحاب السماع الشعري الذي يتقربون به إلى الله تعالى ويظنون أنهم من أولياء الرحمن وهم في الحقيقة من أولياء الشيطان ) [إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان - (2 / 181)].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية :
__________________
(وهؤلاء قد يظن أحدهم أنه لا يمكنه السلوك إلى الله تعالى إلا ببدعة . وكذلك أهل الفجور المترفين قد يظن أحدهم أنه لا يمكنه فعل الواجبات إلا بما يفعله من الذنوب ولا يمكنه ترك المحرمات إلا بذلك وهذا يقع لبشر كثير من الناس . منهم من يقول: إنه لا يمكن أداء الصلوات واجتناب الكلام المحرم - من الغيبة وغيرها - إلا بأكل الحشيشة . ويقول الآخر: إن أكلها يعينه على استنباط العلوم وتصفية الذهن حتى يسميها بعضهم معدن الفكر والذكر ومحركة العزم الساكن وكل هذا من خدع النفس ومكر الشيطان بهؤلاء وغيرهم وإنها لعمى الذهن ويصير آكلها أبكم مجنونا لا يعي ما يقول . وكذلك في هؤلاء من يقول: إن محبته لله ورغبته في العبادة وحركته ووجده وشوقه وغير ذلك لا يتم إلا بسماع القصائد ومعاشرة الشاهد من الصبيان وغيرهم وسماع الأصوات والنغمات ويزعمون أنهم بسماع هذه الأصوات ورؤية الصور المحركات تتحرك عندهم من دواعي الزهد والعبادة ما لا تتحرك بدون ذلك وأنهم بدون ذلك قد يتركون الصلوات ويفعلون المحرمات الكبار كقطع الطريق وقتل النفوس ويظنون أنهم بهذا ترتاض نفوسهم وتلتذ بذلك لذة تصدها عن ارتكاب المحارم والكبائر وتحملها على الصلاة والصوم والحج . وهذا مستند كثير من الشيوخ الذين يدعون الناس إلى طريقهم بالسماع المبتدع على اختلاف ألوانه وأنواعه . منهم من يدعو إليه بالدف والرقص ومنهم من يضيف إلى ذلك الشبابات ومنهم من يعمله بالنساء والصبيان ومنهم من يعمله بالدف والكف ومنهم من يعمله بأذكار واجتماع وتسبيحات وقيام وإنشاد أشعار وغير ذلك من سائر أنواعه وألوانه . وربما ضموا إليه من معاشرة النساء والمردان ونحو ذلك . ويقولون هؤلاء الذين توبناهم وقد كانوا لا يصلون ولا يحجون ولا يصومون بل كانوا يقطعون الطريق ويقتلون النفس ويزنون ؛ فتوبناهم عن ذلك بهذا السماع . وما أمكن أحدهم استتابتهم بغير هذا . وقد يعترفون أن ما فعلوه بدعة منهي عنها أو محرمة ؛ ولكن يقولون ما أمكننا إلا هذا وإن لم نفعل هذا القليل من المحرم حصل الوقوع فيما هو أشد منه تحريما وفي ترك الواجبات ما يزيد إثمه على إثم هذا المحرم القليل في جنب ما كانوا فيه من المحرم الكثير .) [مجموع الفتاوى - (14 / 468)].
وقال أيضا: ( أما الإنسان في نفسه فلا يحل له أن يفعل الذي يعلم أنه محرم لظنه أنه يعينه على طاعة الله ) [الفتاوى 14/474].
وقد ذكر ابن الجوزي: «أن عضد الدولة كان يميل إلى جارية، فكانت تشغل قلبه، فأمر بتغريقها، لئلا ينشغل قلبه عن تدبير الملك»..!!
ثم قال ابن الجوزي :«وهذا هو الجنون المطبق؛ لأن قتل مسلم بلا جُرم لا يحل، واعتقاده أن هذا جائز كفر، وأن اعتقاده غير جائز، لكنه رآه مصلحة، فلا مصلحة فيما يخالف الشرع» [تلبيس إبليس].
أقول: وإذا كانت المحرمات الخالية من الشرك لا يجوز اتخاذها وسيلة إلى الدعوة ونشر الخير فكيف يستساغ أن يكون الشرك وسيلة من وسائل الدعوة ؟!!
الحادي عشر :
_________
ذكر أهل العلم أن من أكره على الكفر فالصبر له أفضل وأعظم أجراً،
قال ابن بطال: (أجمعوا على أن من أكره على الكفر واختار القتل، أنه أعظم أجراً عند الله ممن اختار الرخصة) .
ويقول الإمام ابن العربي المالكي: (إن الكفر وإن كان بالإكراه جائزاً عند العلماء فإن من صبر على البلاء ولم يفتتن حتى قتل فإنه شهيد، ولا خلاف في ذلك، ).
وقال الحافظ ابن كثير :(والأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه ولو أفضى إلى قتله).
ومن الأدلة على ذلك حديث خباب بن الأرت - رضي الله عنه – الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه) ).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
-------------------------
(ومعلوم ان هذا انما ذكره النبي صلى الله عليه و سلم في معرض الثناء على اولئك لصبرهم وثباتهم وليكون ذلك عزة للمؤمنين من هذه الامة
وقد دل على ذلك أيضا ما ذكره الله في قصة اصحاب الاخدود حيث قال إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات "سورة البروج 10 الاية "
وقد روى مسلم في صحيحه عن صهيب قصتهم مبسوطة فيها ان الراهب صبر حتى قتل وان الغلام امر بقتل نفسه لما علم ان ذلك سبب لايمان الناس إذا رأوا تلك الآية وأن الناس لما آمنو فتنهم الكفار حتى يرجعوا عن دينهم فلم يرجعوا حتى ان المرأة التي ارادت ان ترجع انطق الله صبيها وقال اصبري يا اماه فإنك على الحق) الاستقامة - (2 / 332)
وقال القرطبي المالكي: (فوصفه صلى الله عليه وسلم هذا عن الأمم السالفة على جهة المدح لهم، والصبر على المكروه في ذات الله، وأنهم لم يكفروا في الظاهر، وتبطنوا الإيمان ليدفعوا العذاب عن أنفسهم، وهذه حجة من آثر الضرب والقتل والهوان على الرخصة...).
أقول: وإذا كان إيثار القتل أفضل في حق من أكره على الكفر والشرك، فكيف يكون الشرك والكفر مشروعا لمن يتخذه وسيلة للدعوة مع أنه غير مكره ؟!!
***
ومن خلال هذه الوجوه التي ذكرنا يتبين بشكل جلي أن الشرك لا يشرع لتحقيق أي مصلحة من مصالح الدعوة .
جـ/2
_______________
لا يباح الشرك من أجل المصلحة
____________________
لا رخصة في الكفر والشرك من أجل تحقيق أي مصلحة مهما كان نوعها لأن المصلحة ليست من باب الإكراه الملجئ ..
فالإكراه الملجئ تعريفه هو الإكراه بالتهديد بالقتل أوالقطع وبالتعذيب الشديد وبالضرب الذي يخاف منه تلف النفس أو العضو أو نحو ذلك مما لاطاقة للإنسان بتحمله .
أما المصلحة فهي أمر تدعو الحاجة إليه ويحصل بعض الضرر بعدم تحققه ولكن ذلك الضرر لا يصل إلى حد الإكراه الملجئ .
وإنما رخص للمكره في إظهار الكفر لأن الإكراه مسقط للتكاليف أما أن يصار إلى الشرك كلما عنّت مصلحة فتلك هي الفتنة بعينها .
ومن الأدلة على أن الكفر والشرك لا يباح للحاجة ولا للمصلحة ولا للإكراه غير الملجئ :
------------
1- قال تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج: 11].
قال ابن جرير في تفسيره :
------------------------
(حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: {ومن الناس من يعبد الله على حرف } إلى قوله: { انقلب على وجهه } قال: " الفتنة: البلاء، كان أحدهم إذا قدم المدينة وهي أرض وبيئة، فإن صح بها جسمه، ونتجت فرسه مهرا حسنا، وولدت امرأته غلاما رضي به، واطمأن إليه وقال: ما أصبت منذ كنت على ديني هذا إلا خيرا، وإن أصابه وجع المدينة، وولدت امرأته جارية، وتأخرت عنه الصدقة، أتاه الشيطان فقال: والله ما أصبت منذ كنت على دينك هذا إلا شرا وذلك الفتنة ).
2- قال تعالى :{الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 1 - 3].
3- قال تعالى :{ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ} [العنكبوت: 10].
4- قال تعالى :{أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}.
5- قال تعالى :{ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ } [آل عمران: 186]
6- قال تعالى :{ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ } [البقرة: 155]
7- قال تعالى :{ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31].
فإذا كان الكفر مباحا للمصلحة والحاجة فكيف نفسر كل هذه الآيات التي تعد المؤمنين بالابتلاء وتحثهم على الصبر والثبات ؟
وكيف يحدث التمحيص بين الصادقين والكاذبين، والمؤمنين والمنافقين الذي ما شرع الله الابتلاء إلا من أجله ؟
بل إن هذه الآيات دليل على ذم وإثم كل من وقع في الفتنة ولم يلزم نفسه بالصبر فاختار التنازل عن دينه .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية :
------------------------
(وكذلك يذم من يترك الواجب الظاهر ويفعل المحرم الظاهر عندما يصيبه من الاذى والفتن) [الاستقامة - (2 / 337)].
ولو كانت المصلحة والحاجة مبيحة للكفر لما ثبت الناس على دينهم لحظة واحدة بل لصاروا متقلبين بين الكفر والإيمان كلما تقلب الليل والنهار، وهذا هو الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم فتنة كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا » أخرجه مسلم.
قال ابن القيم: "وذلك أنه إذا اعتقد أن الدين الكامل لا يحصل إلا بفساد دنياه من حصول ضرر لا يحتمله وفوات منفعة لا بد له منها لم يقدم على احتمال هذا الضرر ولا تفويت تلك المنفعة" (إغاثة اللهفان).
فلا يشرع الترخص في الكفر والشرك بحجة المصلحة كما قال شيخ الإسلام في كلامه السابق: (فإن الأسير إن خشي الكفار أن لا يزوجوه أو أن يحولوا بينه وبين امرأته لم يبح له التكلم بكلمة الكفر ). [الاختيارات الفقهية - (1 / 569)]
وقال: (والرجل لو تكلم بكلمة الكفر لمصالح دنياه من غير حقيقة اعتقاد صح كفره باطنا وظاهرا ) [إقامة الدليل على إبطال التحليل - (4 / 477)].
وقال في موضع آخر :
(ثم إنه لا خلاف بين المسلمين أنه لا يجوز الأمر ولا الإذن في التكلم بكلمة الكفر لغرض من الأغراض، بل من تكلم بها فهو كافر إلا أن يكون مكرها فيتكلم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان) [الفتاوى الكبرى - (6 / 86)]
وتابعه على ذلك تلميذه ابن القيم فقال:
---------------------------------
(ولا خلاف بين الامة أنه لا يجوز الاذن في التكلم بكلمة الكفر لغرض من الاغراض إلا المكره إذا اطمأن قلبه بالايمان) [إعلام الموقعين - (3 / 178)
ولهذا اتفق أهل العلم على أن الكفر لا يجوز أن يكون حيلة للوصول إلى أي غرض أو غاية .
قال ابن القيم:
-------------
(وذكر لأحمد: أن امرأة كانت تريد أن تفارق زوجها فيأبى عليها فقال لها بعض أرباب الحيل: لو ارتددت عن الإسلام بنت منه ففعلت فغضب أحمد رحمه الله وقال: من أفتى بهذا أو علعمه أو رضي به فهو كافر
وكذلك قال عبدالله بن المبارك ثم قال: ما أرى الشيطان يحسن مثل هذا حتى جاء هؤلاء فتعلمه منهم...
وقال عبدالله بن المبارك في قصة بنت أبي روح حيث أمرت بالارتداد في أيام أبي غسان فارتدت ففرق بينهما وأودعت السجن فقال ابن المبارك وهو غضبان: من أمر بهذا فهو كافر ومن كان هذا الكتاب عنده أو في بيته ليأمر به فهو كافر وإن هويه ولم يأمر به فهو كافر)إغاثة اللهفان(1 / 356)
ومما يجب اعتقاده أن الشرك لا مصلحة فيه ولا خير، وكل ما يظهر فيه من مصلحة فعاقبته الخزي والندامة
وحين يعتقد المسلم أن الشرك فيه مصلحة فتلك علامة خذلان وبداية خسران كما قال ابن القيم رحمة الله عليه:
(فإنه من المعلوم: أن العبد وإن آمن بالآخرة فإنه طالب في الدنيا لما لا بد له منه: من جلب النفع ودفع الضر بما يعتقد أنه مستحب أو واجب أو مباح فإذا اعتقد أن الدين الحق واتباع الهدى والاستقامة على التوحيد ومتابعة السنة ينافي ذلك وأنه يعادي جميع أهل الأرض ويتعرض لما لا يقدر عليه من البلاء وفوات حظوظه ومنافعه العاجلة لزم من ذلك إعراضه عن الرغبة في كمال دينه وتجرده لله ورسوله فيعرض قلبه عن حال السابقين المقربين بل قد يعرض عن حال المقتصدين أصحاب اليمين بل قد يدخل مع الظالمين بل مع المنافقين وإن لم يكن هذا في أصل الدين كان في كثير من فروعه وأعماله) اهـ .
وقد نبه شيخ الإسلام ابن تيمية في أكثر من موضع إلى أن الشرك لا يكون فيه شيء من المصلحة ومن كلامه في هذه المسألة:
--------------------------------------------
قوله: ( إن المحرمات منها ما يُقطع بأن الشرع لم يُبح منه شيئا لا لضرورة ولا غير ضرورة كالشرك والفواحش والقول على الله بغير علم والظلم المحض، وهي الأربعة المذكورة في قوله تعالى {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله مالا تعلمون} فهذه الأشياء محرمة في جميع الشرائع وبتحريمها بعث الله جميع الرسل ولم يُبح منها شيئا قط ولا في حال من الأحوال ولهذا أنزلت في هذه السورة المكية )، [الفتاوى 14/470-471].
- وقوله: ( إن الشرك والقول على الله بغير علم والفواحش ما ظهر منها وما بطن والظلم لا يكون فيها شئ من المصلحة ) [ الفتاوى 14/476].
-وقوله وما هو محرم على كل أحد في كل حال لا يباح منه شئ وهو الفواحش والظلم والشرك والقول على الله بلا علم ) [ الفتاوى 14/477].
ولأن الشرك لا مصلحة فيه ولا يباح للضرورة فقد رجّح معظم أهل العلم منع حل السحر بالسحر لهذه العلة مع الحاجة إليه :
كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
--------------------------------------
" والمسلمون وإن تنازعوا في جواز التداوي بالمحرمات كالميتة والخنزير، فلا يتنازعون في أن الكفر والشرك لا يجوز التداوي به بحال، لأن ذلك محرم في كل حال، وليس هذا كالتكلم به عند الإكراه، " "مجموع الفتاوى" (19/61).
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم ؛
---------------------------
"والسحر حرام وكفر، أفيعمل الكفر لتحيا نفوس مريضة أو مصابة ! " "فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم" (1/165).
وفيما ذكرنا كفاية للدلالة على أن الكفر لا يترخص فيه لأجل المصلحة .
--------------------------
fata_Q
Comments
Post a Comment