ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر


فــأحبــط أعمـــالهــــــم
_________________


قال تعالى (إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم)
____________________


فقد حكم الله تعالى على من قال لأعداء الله تعالى من الكفار والمرتدين - الذين يكرهون ما أنزل الله تعالى - سنطيعكم في بعض الأمر - ولمّا يطيعونهم بعد - أنهم مرتدون وأن الشيطان سول لهم عملهم هذا وأملى لهم.


فإذا كان هذا حكم من وعد الكفار فقط بالطاعة ولمَّا يطيعونهم بعد، فكيف بمن أطاعهم فعلا في بعض الأمر؟ فكيف بمن أطاعهم فعلا في كل الأمر، بل نفذ مخططاتهم في حرب الإسلام والمسلمين ودخل في أحلافهم،ومجالسهم الشركيه، بل وحارب أهل الإسلام إرضاء لهم؟ لا شك أن من فعل هذا فهو كافر خارج عن ملة الإسلام وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، بل هو من أشد الناس عداوة للإسلام وأهله، ودليل كفره من الآية قوله تعالى (ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم)


ومن المعلوم إن إحباط العمل جملة لا يكون إلا بالكفر الأكبر، ولذلك


قال ابن تيمية رحمه الله:
---------------------------
العمل يحبط بالكفر، قال سبحانه وتعالى (من يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة)، وقال تعالى (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله)، وقال تعالى (ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون)، وقال تعالى (لئن أشركت ليحبطن عملك)، وقال تعالى (ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم)...إلى أن قال رحمه الله:
ولا يحبط الأعمال غير الكفر، لأن من مات على الإيمان لابد أن يدخل الجنة ويخرج من النار وإن دخلها، ولو حبط عمله كله لم يدخل الجنة قط، ولأن الأعمال إنما يحبطها ما ينافيها، ولا ينافي الإيمان مطلقا إلا الكفر، وهذا معروف من أصول أهل السنة.
نعم قد يبطل بعض الأعمال بوجود ما يفسدها، كما في قوله تعالى (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى)، ولهذا لم يحبط الله الأعمال في كتابه إلا بالكفر. اهـ


قال الطبري رحمه الله:
------------------------
قوله (إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى) يقول الله عز وجل: إن الذين رجعوا القهقرى على أعقابهم كفارا بالله من بعد ما تبين لهم الحق وقصد السبيل فعرفوا واضح الحجة ثم آثروا الضلال على الهدى عنادا لأمر الله تعالى ذكره من بعد العلم، وقوله (الشيطان سول لهم) يقول تعالى ذكره: الشيطان زين لهم ارتدادهم على أدبارهم من بعد ما تبين لهم، وقوله تعالى (ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم) يقول تعالى ذكره: أملى الله لهؤلاء المنافقين وتركهم والشيطان سول لهم فلم يوفقهم للهدى من أجل أنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله (سنطيعكم في بعض الأمر) الذي هو خلاف لأمر الله تبارك وتعالى وأمر رسوله، والله يعلم إسرار هذين الحزبين المتظاهرين من أهل النفاق على خلاف أمر الله وأمر رسوله إذ يتسارون فيما بينهم بالكفر بالله ومعصية الرسول ولا يخفى عليه ذلك ولا غيره من الأمور كلها، وقوله تعالى (فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم)، يقول تعالى ذكره: والله يعلم إسرار هؤلاء المنافقين فكيف لا يعلم حالهم إذا توفتهم الملائكة وهم يضربون وجوههم وأدبارهم، يقول: فحالهم أيضا لا يخفى عليه في ذلك الوقت ويعني بالأدبار الأعجاز، وقوله (فأحبط أعمالهم) يقول فأبطل الله ثواب أعمالهم وأذهبه لأنها عملت في غير رضاه ولا محبته فبطلت ولم تنفع عاملها.اهـ


وقال ابن حــزم :
------------------
وقد قال عز وجل (إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم ا لهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما أنزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم أسرارهم فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم) فجعلهم تعالى مرتدين كفارا بعد علمهم الحق وبعد أن تبين لهم الهدى بقولهم للكفار ما قالوا فقط وأخبرنا تعالى أنه يعرف أسرارهم وأخبرنا تعالى أنه قد أحبط أعمالهم بإتباعهم ما أسخطه وكراهيتهم رضوانه.اهـ


وقال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ رحمه الله:
-----------------------------------------------------------
فأخبر تعالى أن سبب ما جرى عليهم من الردة وتسويل الشيطان وإملائه لهم، هو قولهم للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر.


فإذا كان من وعد المشركين الكارهين لما أنزل الله بطاعتهم في بعض الأمر كافرا وإن لم يفعل ما وعدهم به، فكيف بمن وافق المشركين الكارهين لما أنزل الله من الأمر بعبادته وحده لا شريك له وترك عبادة ما سواه من الأنداد والطواغيت والأموات، وأظهر أنهم على هدى، وأن أهل التوحيد مخطئون في قتالهم، وأن الصواب في مسالمتهم والدخول في دينهم الباطل؟ فهؤلاء أولى بالردة من أولئك الذين وعدوا المشركين بطاعتهم في بعض الأمر. اهـ


وقال الشنقيطي رحمه الله:
------------------------------
والآية الكريمة تدل على أن كل من أطاع من كره ما نزل الله في معاونته له على كراهته ومؤازرته له على ذلك الباطل، أنه كافر بالله، بدليل قوله تعالى فيمن كان كذلك (فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم)...إلى أن قال: فكل من قال لهؤلاء الكفار الكارهين لما نزله الله: سنطيعكم في بعض الأمر، فهو داخل في وعيد الآية، وأحرى من ذلك من يقول لهم: سنطيعكم في كل الأمر، كالذين يتبعون القوانين الوضعية مطيعين بذلك للذين كرهوا ما نزل الله، فإن هؤلاء لاشك أنهم ممن تتوفاهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم، وأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه، وأنه محبط أعمالهم.اهـ

Comments

Popular posts from this blog

لا يجوز التحاكم للطاغوت تحت أى مسوغ :

شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))

تبصرة عقلاء العصر بأن ( مرسي ) طاغوت مصر