مقتطفات من كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب و مقارنة بين حالنا اليوم وما كان عليه أهل زمانه
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب -عليه رحمة الله- :
" والحاصل: أن صورة المسألة: هل الواجب على كل مسلم أن يطلب علم ما أنزل الله على رسوله، ولا يعذر أحد في تركه البتة؟ أم يجب عليه أن يتبع "التحفة" مثلاً ؟ فأعلم المتأخرين وسادتهم، منهم ابن القيم، قد أنكروا هذا غاية الإنكار، وأنه تغيير لدين الله، واستدلوا على ذلك بما يطول وصفه من كتاب الله الواضح، ومن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم البين لمن نوّر الله قلبه.
والذين يجيزون ذلك أو يوجبونه يدلون بشبه واهية، لكن أكبر شبههم على الإطلاق: أنا لسنا من أهل ذلك، ولا نقدر عليه، ولا يقدر عليه إلا المجتهد، وإنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون " .
ما أشبه زمان الشيخ بزماننا هذا من حيث تكرار الشبه في ترك اتباع الرسول وتقليد المشايخ وطاعتهم مطلقاً بلا برهان من الله ورسوله , بحجة أننا لسنا أهلٌ للتَّلقي من نور الوحي بأنفسنا وأننا بحاجة لمن يبيّن لنا ما قاله الله ورسوله , فكأن لسان حالهم يقول عن كتاب الله و وحيه إلى رسوله أنه ليس بمبين و أنه لا يهدي وأنه بحاجة لمن يشرحه ويوضحه !!
وتأمل كيف نبّه الشيخ على هذا أشدَّ التنبيه وكيف سمَّاه تغييراً لدين الله , فماذا يقول الشيخ لو رأى زماننا هذا وقد ترك الناس كتاب الله وسنة نبيه واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله , فأطاعوهم وعصوا الله ومجَّدوا كلامهم وتلقوه بالقبول وتركوا كلام الله عز وجل , فشابهوا اليهود والنصارى بفعلهم هذا .
فإن ناقشهم أحد أو أنكر عليهم لم يستدلوا عليه بقال الله وقال رسوله بل قالوا قال الشيخ فلان وأفتى العلامة علان مع مخالفتهم الصريحة لدين الله , فإن ردّوا أقوال المشايخ اتباعاً لله ورسوله اتُّهموا في دينهم وغُلِّظ عليهم القول حتى ظن القارئ أنهم أتوا ناقضاً من نواقض الإسلام لشدة التعصب لأقوال الرجال وذواتهم لا للحق !
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ردّاً على شبهة أنا لسنا من أهل ذلك، ولا نقدر عليه، ولا يقدر عليه إلا المجتهد، وإنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون :
" ولأهل العلم في إبطال هذه الشبهة ما يحتمل مجلداً، ومن أوضحه قول الله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ} ، وقد فسرها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حديث عدي بهذا الذي أنتم عليه اليوم في الأصول والفروع، لا أعلمهم يزيدون عليكم مثقال حبة خردل، بل يبين مصداق قوله: " حذو القذة بالقذة " إلخ.
وكذلك فسرها المفسرون لا أعلم بينهم اختلافاً، ومن أحسنه: ما قاله أبو العالية: " أما إنهم لم يعبدوهم، ولو أمروهم بذلك ما أطاعوهم; ولكنهم وجدوا كتاب الله، فقالوا: لا نسبق علماءنا بشيء، ما أمرونا به ائتمرنا وما نهونا عنه انتهينا ".
فتأملوا وصف الشيخ جيداً ثم قارنوا حال أهل زمانه بما نحن عليه اليوم , ستجدون أن الكثير قد وقع بما وقعوا به بل أكثر من ذلك وأعظم , من طاعة المشايخ والعمائم الذين كثروا في هذه الأيام , وتتابع الناس عليهم وفُتنوا بهم أشدَّ فتنة مع أنهم ما وقعت في هذه الأمة نازلة إلا وخذلها هؤلاء المسمون بالمشايخ الذين يمجّدون على الفضائيات ليلاً ونهاراً !! ويستدلون على طاعتهم بكثرة أتباعهم مع أن الله عز وجل قال : " وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ " .
فإن كان الشَّافعي نفسه -وهو من هو- قد قال : " لا بدَّ أن تجدوا عني ما يخالف الحديث، فكل ما خالفه فأُشهدكم أني قد رجعت عنه " , قد خولف في مسائل وكان الحق مع من خالفه لوجود النص الذي لم يُعارض , قبولاً للحديث واتباعاً لقوله تعالى : " فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ " فهل يُنكر على من خالف من هو دون الشافعي بأشواط ممن أوتي أنصاف العلوم بحجّة أنه أعلم بدين الله مع أنّ ما خُولفوا فيه قد دلَّ عليه الكتاب ودلت عليه السنة !؟
هذا لا يقوله مسلمٌ عاقل فضلاً عن طالب علم , فكيف يُعاب اتباع الله ورسوله وتقديم كلامهما على كلام البشر الذين خطأهم أكثر من صوابهم ؟!!
Comments
Post a Comment