ظاهرة " النية والتبرير "


منذ قيام الثورة والكثير من التيارات الإسلامية تتخبط فى ظلمات التيه بدعوي النية الحسنة وتطبيق الشريعة واقامة الدولة الإسلامية ويلجئون إلي تبرير كل فعل يفعلونه بقولهم أن "نيتهم حسنة" ونيتهم تطبيق الشريعة وانه ليس فى الامكان أبدع مما كان فإن قلت لهم هذا خطأ وهذا شرك قالوا لك هذا هو السبيل الوحيد ويقول لك المدافعون عنهم أن نيتهم تشفع لهم وتردد هذا الكلام كثيرا حتي أصبح قاعدة ثابتة .. فكلما انتقدت موقف معين قالوا لك ولكنه هو نيته كذا وكأننا مكلفون بالحكم على النيات وتفتيش القلوب .. انما نحن نتولي الظاهر والله يتولي السرائر .. وانظر الي قول اخوة يوسف عندما أرادوا قتله " اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين" يقولون : هذا الذي يزاحمكم في محبة أبيكم لكم ، أعدموه من وجه أبيكم ، ليخلو لكم وحدكم ، إما بأن تقتلوه ، أو تلقوه في أرض من الأراضي ، تستريحوا منه ، وتختلوا أنتم بأبيكم ، وتكونوا من بعد إعدامه قوما صالحين . فأضمروا التوبة قبل الذنب . [تفسير إبن كثير]



فقد كانت نيتهم بعد ذلك أن يصبحوا قوما صالحين ويا لها من نية حسنة ولكنها لاتبرر ارادتهم لقتل يوسف .. فالنية الحسنة لا تجعل المعصية طاعة ولا الكفر ايمان والله سبحانه تعالي وصف من يسيئون التصرف برغم من حسن نيتهم بأنهم الاخسرين أعمالا "الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا" وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لا عذر لأحد فى ضلالة ركبها حسبها هدي ولا هدي تركه حسبه ضلالة فقد بينت الأمور وثبتت الحجة وانقطع العذر"فالأصل ان نخضع أفعال الإنسان إلي ميزان القرآن والسنة والشرع فإن وافقها كان خيرا وإن خالفها ضربنا به عرض الحائط وان إدعي أن نيته حسنة .. فقد قال الرسول صلي الله عليه وسلم "قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك"

فالانحراف عن منهج الرسول صلي الله عليه وسلم ولو بنية حسنة يؤدي إلي الضياع والهلاك فالانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق كما قال سيد قطب رحمه الله وقد قال الله سبحانه وتعالي "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله" فالانسان قد يظن أن السبل الاخري أقرب أو أسرع وقد يقول سأمضي فى هذا الطريق قليلا ثم اعود إلي سبيل الحق كي أستطيع ان أصل إلي الطريق المستقيم ولا يدري أنه ضل وأضل من اتبعه.



ولكن الكثير من المنتسبين لما يسمي بالتيار الإسلامي سلكوا سبلا أبعد ما تكون عن الصراط المستقيم واذا وزنتها بميزان الشريعة والقرآن لا تزن مثقال ذرة بل هي أقرب إلي سبل الشيطان فهم يفعلون ما كانوا هم بأنفسهم يسمونه شركا وكفرا يفعلونه الآن بمنتهي الأريحية بدعوي النية الحسنة واقامة الشريعة ويزعمون أن هذا السبيل المظلم الذي لا يمت للتوحيد والشريعة بصلة هو الطريق الوحيد لنصل إلي الصراط المستقيم وهؤلاء من قال عنهم الله سبحانه وتعالي " إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون" وهذا من أبين الدلالة على خطأ من زعم أن الله لا يعذب أحدا على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها ، إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها ، فيركبها عنادا منه لربه فيها; لأن ذلك لو كان كذلك ، لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضل وهو يحسب أنه هاد ، وفريق الهدى - فرق . وقد فرق الله تعالى بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية الكريمة [تفسير الطبري]



فهذه الوصولية والميكافيلية و مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة" هذا أبعد ما يكون عن روح الإسلام ومبادئه ففى الإسلام لا تدرك الغاية الحسنة الا بالوسائل الحسنة وقد قال سيد قطب رحمه الله : من الصعب علي أن أتصور كيف يمكن أن نصل إلى غاية نبيلة باستخدام وسيلة خسيسة !؟ إن الغاية النبيلة لا تحيى إلا في قلب النبيل: فكيف يمكن لذلك القلب أن يطيق استخدام وسيلة خسيسة ؛ بل كيف يهتدي إلى استخدام هذه الوسيلة حين نخوض إلى الشط الممرع بركة من الوحل لابد أن نصل إلى شط الملوثين .. أن أوحال الطريق ستترك آثارها على أقدامنا وعلى مواضع هذه الأقدام كذلك الحال حين نستخدم وسيلة خسيسة: إن الدنس سيعلق بأرواحنا، ويسترك آثاره في هذه الأرواح، وفي الغاية التي وصلنا إليها! أ.هـ



ومن ضمن انواع التبرير هو تبرير الخطأ بخطأ شخص آخر فكلما انتقدت خطأ قالوا فما بال الشخص الفلاني او الحزب الفلاني او الجماعة الفلانية فعلوا كذا ونحن فعلنا مثلهم فما المشكلة؟! وهؤلاء نذكرهم بقول ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه-: إذا وقع الناس في الشر فقل: لا أسوة لي في الشر، لِيوطن المرء نفسه على أنه إن كفر الناس كلهم لم يكفر . أ.هـ

فان وقوع الناس كلهم فى الشر لا يجعله خيرا وكون الناس جميعا على ضلال فهذا لا يعني أنه الهدي وانما التمسك بأصل الدين من الكتاب والسنة فهذا هو السبيل الوحيد للنجاة كما بين الرسول صلي الله عليه وسلم



وقد وقع الكثير من الناس اليوم فى آفة التبرير وعدم الجرأة على مراجعة الأخطاء ولعل من أحد أسباب الوقوع فى هذه الآفة هو الجهل بحقيقة هذا المنهج الرباني وعدم التزود بالعلم الكافي الذي عطي الانسان القدرة على التمييز بين الخطا والصواب فهناك مجموعة من الأشخاص يثق بهم مهما فعلوا فكلما وقعوا فى خطأ كان التبرير حاضرا فى ذهنه وهذا الذي عبر عنه سيدنا على بن أبي طالب رضي الله عنه بقوله "الناس ثلاثة :عالمٌ ربانيَّ , و متعلمٌ على سبيل نجاة. , و همجٌ رعاعٌ اتباعُ كل ناعقٍ يميلونَ مع كل ريح لم يستضيئو بنور العلم و لم يلجأو الى ركن وثيق.



يقول ابن القيم فى شرح هذا الحديث:

وقوله: «أتباع كل ناعق» أي: من صاح بهم ودعاهم تبعوه، سواء دعاهم إلى هدى أو إلى ضلال، فإنهم لا علم لهم بالذي يدعون إليه أحقٌّ هو أم باطل؟ فهم مستجيبون لدعوته، وهؤلاء من أضر الخلق على الأديان، فإنهم الأكثرون عدداً، الأقلون عند الله قدراً، وهم حطب كل فتنة، بهم توقد ويشب ضرامها فإنها يعتزلها ألو الدين، ويتولاها الهمج الرعاع.. أ.هـ



ولذلك يتميز الشخص المبرراتي بخاصية الإمعية فيلغي كيانه ووجوده ويسلم نفسه ويتبع كل ناعق ويميل مع كل تيار و يسير مع الركب حيث سار وقد استقر فى ذهنه انه يتبع الشيوخ المهديين المعصومين فكيف وهم يعلمون الناس الدين وعليهم مظهر التقوي و الورع من لحية وجلباب وغيره فيستقر فى قلبه أن هذا هو الحق ولا شيئ غيره فان عرضت عليه نصوص القرآن والسنة مبينا خطأ الشيخ الذي يتبعه قال لك "وهل ستفهم أنت أكثر من هذا الشيخ ومن انت حتي تتحدث عنه" وهو يسير وراء شيخه هذا بدون وعي او فهم أو معرفة دليل فان قال له الشيخ هذا كفرا كان كفرا فان فعله شيخه الكفر كان حلالا مستساغ .. وقد روي عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه كان يوما جالسا فغطى رأسه ثم اضطجع فبكى ، فقيل له : ما يبكيك ؟ قال : رياء ظاهر ، وشهوة خفية ، والناس عند علمائهم كالصبيان في حجور أمهاتهم ، ما أمروهم به ائتمروا ، وما نهوهم عنه انتهوا.



فكيف السبيل للخروج من هذا التيه؟؟



السبيل الوحيد هو التمسك بالكتاب والسنة ومعرفة أصل الدين بالدليل وعدم الخروج عنه تحت أى تبرير فهذا ما فرضه الله علينا والالتزام به فرض على الانسان فغاية وجود البشر على هذه الأرض هو أن يوحد الله وحده لا يشرك به شيئا .. فهذا هو التكليف الاول للانسان .. ثم بعد ذلك التكليف بعمارة الأرض واقامة شرع الله والجهاد فى سبيله .. فان انتفي التوحيد أصبح كل ما يفعله البشر هباء منثورا .. فقد قال الله سبحانه وتعالي "ولقد أوحي إليك وإلي الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين" أصل الدين واضح لا غبار عليه .. فقد قال رسول الله صلي الله عليه وسلم "تركتم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي الا هالك" فمن تمسك بأصل الدين نجا ومن زاغ عنه هلك .. ومن قلد الرجال فى دينهم هلك ومن استمسك بالعروة الوثقي فلا انفصام لها .. فواجب على كل مسلم معرفة أصل الدين بالحجة والدليل وقد نهينا عن تقليد الرجال فى دينهم مهما عظم شأنهم

ومن أكثر التبريرات التي يستخدمها هؤلاء هي قول الله سبحانه (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) فهو يعتقد أن معني هذه الآية الكريمة هو أن تستمع الي الشيوخ بدون تفكير وتأخذ منه الاحكام بدون معرفة الدليل وهذا باطل من عدة اوجه:
الأول: أن هذا يعتبر تقليد و التقليد هو قبول قول القائل من غير معرفة لدليله "ولا خلاف بين الناس أن التقليد ليس بعلم، وأن المقلد لا يطلق عليه اسم عالم" إعلام الموقعين: (1/45)

فالمقلد هنا يدخل فى ضمن من قالت عنه الآية "إن كنتم لا تعلمون" فهو يظل جاهل غير عالم



الثاني: أن القرآن حدد سؤال اهل الذكر فقال "بِالْبَيِّنَات­ِ وَالزُّبُرِ " (بالبينات) أي : بالدلالات والحجج (والزبر) وهي الكتب . قاله ابن عباس ، ومجاهد ، والضحاك وغيرهم .

فبين أن سؤال أهل الذكر هو سؤالهم عن الدليل من الكتاب و السنة وليس معرفة حكمهم فى الشيئ فقط.

فأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول: "لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه"

وفي كلام أحمد: "عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان"

قال تعالى: "اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون " [سورة الأعراف: آية 3]

فسبيل النجاة والفكاك الوحيد هو التمسك بالكتاب والسنة ونثق فى الله أنه سينصرنا ما دمنا على التوحيد فان لم نري السبيل فلنتمسك بالدليل ولنثق أن الله سيهدينا الي السبيل فالله سبحانه وتعالي يقول ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ) وفى تفسير ابن كثير : الذين يعملون بما يعلمون ، يهديهم لما لا يعلمون .



كما قال سيد قطب : مصلحة الدعوة الحقيقية في استقامتها على النهج دون انحراف قليل أو كثير أما النتائج فهي غيب لا يعلمه إلا الله فلا يجوز أن يحسب حملة الدعوة حساب هذه النتائج ; إنما يجب أن يمضوا على نهج الدعوة الواضح الصريح الدقيق وأن يدعوا نتائج هذه الاستقامة لله ولن تكون إلا خيرا في نهاية المطاف. أ.هـ



فهذا هو الطريق الوحيد والمنهج الرباني الذي وضعه الله سبحانه وتعالي لاقامة الدين وتطبيق الاسلام وكل ما عداه من اجتهادات فهي اجتهادات باطلة تخرج من اطار الاسلام ولا عذر لأحد فيها بجهل او تأويل.



فرحم الله من نصح نفسه واتبع الكتاب والسنة وإن خالفه من خالفه.

كتبه / أحمد المهدي
فى 17 رجب 1434 هـ / 27 مايو 2013 م

Comments

Popular posts from this blog

لا يجوز التحاكم للطاغوت تحت أى مسوغ :

شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))

تبصرة عقلاء العصر بأن ( مرسي ) طاغوت مصر