كيف عاد الإسلام غريبآ ..؟؟ وكيف ادعي الناس انهم مسلمين وهم في الحقيقة مشركين ؟؟ بقلم سيد قطب

كيف عاد الإسلام غريبآ ..؟؟ وكيف ادعي الناس انهم مسلمين وهم في الحقيقة مشركين ؟؟ بقلم سيد قطب


بسم الله الرحمن الرحيم

يقول سيد رحمه الله 
لقد استدار الزمان كهيئة يوم جاء هذا الدين للبشرية .. بلا إله إلا الله ، فقد إرتدت البشرية إلى عبادة العباد وجور الأديـان ونكفت عن لا إله إلا الله ، وإن ظل فريق منها يردد على المآذن ( لا إله إلا الله ) دون أن يُـدرك مدلولها ، ودون أن يعي هذا المدلول وهو يرددها ، ودون أن يرفض شرعية الحاكمية التى يدعيها العباد لأ نفسهم ...].. [ والذين يظنون انفسهم في (دين الله) لأنهم يقولون بأفواههم
( نشهد أن لا إله إلاالله وأن محمداً رسول الله ) ويديون لله فعلاً في شؤون الطهاره والشعائر والزواج والطلاق والميراث... بينما هم يدينون فيما وراء هذا الركن الضيق لغير الله ، ويخضعون لشرائع لم يأذن بها الله- وكثرتها مما يخالف مخالفه صريحه شريعه الله - ثم هم يبذلون أرواحهم وأمواالهم وأعراضهم وأخلاقهم - أرادوا أم لم يريدوا- ليحققوا ماتطلبه منهم الأصنام الجديدة ، فإذا تعارض دين أو خلق أو عرض مع مطالب هذه الأصنام ، نبذت أوامر الله فيها ونفذت مطالب هذه الاصنام .. الذين يظنون انفسهم مسلمين وفي ( دين الله ) وهذا حالهم .. عليهم أن يستفيقوا لما هم فيه من الشرك العظيم ..
إن دين الله ليس بهذا الهزال الذي يتصوره من يزعمون أنفسهم ،
( مسلمين ) في مشارق الارض ومغاربها ، إن دين الله منهج شامل لجزئيات الحياة اليومية وتفصيلاتها . والدينونة لله وحده في كل تفصيل وكل جزئية من جزئيات الحياة اليومية وتفصيلاتها - فضلاً على أصولها وكليتها - هى دين الله وهى الإسلام الذى لايقبل الله ديناً سواه..
ولينظر الناس فى كل بلد لمن المقام الأعلى فى حياتهم ؟ ولمن الدينونة الكاملة ؟ ولمن الطاعة والإتباع والإمتثال ؟.
وكذلك إن قضية العبادة ليست قضية ( شعائر ) وإنما هى قضية دينونة وإتباع ونظام وشريعة وفقة وأحكام وأوضاع فى واقع الحياة..وإنها من أجل أنها كذلك أستحقت كل هذه الرسل والرسلات وأستحقت كل هذه العذابات والتضحيات ..
وهنا يقف الدعاة ليواجهوا الجاهلية العنيدة .. إن البشرية اليوم بجملتها تزاول رجعية شاملة إلى الجاهلية التى أخرجها منها أخر رسول .محمد صلى الله عليه وسلم وهى جاهلية التى تتمثل فى صور شتى :

بعضها يتمثل فى الحاد بالله سبحانة وإنكار لوجوده ..فهى جاهلية إعتقاد وتصور كاجاهلية الشيوعيين ..
وبعضها يتمثل فى إعتراف مشوه بوجود الله سبحانه وإنحراف في الشعائر التعبدية وفى الدينونة والاتباع والطاعة كجاهلية الوثنيين من الهنود وغيرهم ..وكجاهلية اليهود والنصارى كذلك.
وبعضها يتمثل فى إعتراف صحيح بوجود الله سبحانه وأداء الشعائرالتعبدية .. مع انحراف خطير فى تصور دلالة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله .. ومع شرك كامل فى الدينونة والاتباع والطاعة وذلك كجاهلية من يسمون انفسهم ( مسلمين ) ويظنون أنهم اسلموا وإكتسبوا صفة الإسلام ، وحقوقه بمجرد نطقهم باالشهادتين وآدائهم للشعائر التعبدية.. مع سوء فهمهم لمعنى الشهادتين ومع إستسلامهم ودينونتهم لغير الله من العبيد ..
وكلها جاهلية وكلها كفر بالله كالأولين .. أو شرك بالله كالأخرين ..
إن رؤية واقع البشرية على هذا النحو الواضح ، تؤكد لنا إن
البشرية اليوم بجملتها قد ارتدت إلى جاهلية شاملة وإنها تعاني رجعية نكدة إلى الجاهلية التى أنقذها منها الإسلام مرات متعددة ، كان أخرها الإسلام الذى جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ..
وهذا بدوره يحدد طبيعة الدور الأساسي لطلائع البعث الإسلامي والمهمة الأساسية التى عليها أن تقوم بها للبشرية ونقطة البدء الحاسمة فى هذه المهمة ...
.. والذين يدعون صفة الإسلام ثم يقيمون مجتمعاتهم على قاعدة أو أكثر من تلك العلاقات الجاهلية التى أحل ألإسلام محلها قاعدة العقيدة ، إما إنهم لايعرفون الإسلام ، وإما إنهم يرفضونة .
والإسلام فى كلتا الحالتين لايعترف لهم بتلك الصفة التى يدعونها لانفسهم وهم لايطبقونها .. بل يختارون غيرها من مقومات الجاهلية فعلاً
هذا المعلم الواضح يجب أن يقف أمامه الدعاة طويلا فهذه قاعدة العقيدة ، إن إعلان ربوبية الله للعالمين هى بذاتها إعلان تحرير الإنسان
تحريره من الخضوع والطاعة والتبعية والعبودية لغير الله .
تحريره من شرع البشر ، ومن هوى البشر ، ومن تقاليد البشر ،
ومن حا كمية البشر وإعلان ربوبية الله للعالمين لايجتمع مع خضوع أحد من العالمين لغير الله ، ولايجتمع مع حاكمية أحد بشريعة من عنده للناس ..
(والذين يظنون أنهم مسلمون بينما هم خاضعون لشريعة من صنع البشر –أى لربوبية غير ربوبية الله - وأهمون إذا ظنوا لحظة وأحدة إنهم مسلمون ..إنهم لايكونون فى دين الله لحظة واحدة وحاكمهم غير الله ، وقانونهم غير شريعة الله ، إنهم فى دين حاكمهم ذاك .. فى دين الملك لا فى دين الله )..
.. والذين يقولون إنهم ( مسلمون ) ولايقيمون ما انزل إليهم من ربهم ، هم كأهل الكتاب .. ليسواعلى شىء ..
والذى يريد أن يكون مسلماً ، يجب عليه بعد إقامة كتاب الله فى نفسه ، وفى حياته أن يواجه الذين لا يقيمونه بانهم ليسوا على شيء حتى يقيموه ، وإن دعواهم أنهم على دين ، يردها عليهم رب العالمين
فالمفاصلة فى هذا الأمر واجبة.. ودعوتهم إلى الإسلام من جديد هى واجب المسلم الذى أقام كتاب الله في نفسه وفى حياته . فدعوى الإسلام باللسان والوراثه دعوى لا تفيد إسلاماً ولا، تحقق إيماناً ، ولا تعطي صاحبها صفة التدين فى أى ملة وفى أى زمان ..
إن دين الله ليس راية ولا شعارا ولا ورثة .. إن دين الله حقيقة تتمثل فى الضمير وفى الحياة سواء . تتمثل فى عقيدة تعمر القلب وشعائر تقام للتعبد ونظام يصرف الحياة . ولا يقوم دين الله إلا فى هذا الكل المتكامل ، ولا يكون الناس على دين الله إلا وهذا الكل المتكامل متمثل فى نفوسهم وفى حياتهم ..
وكل إعتبار غير هذا الإعتبار تمييع للعقيدة ، وخداع للضمير ، لا يقدم عليه مسلم نظيف الضمير .. وعلى المسلم أن يجهر بهذه الحقيقة ، ويفاصل الناس كلهم على أساسها ، لا عليه مما ينشأ عن هذه المفاصلة والله هو العاصم .
وصاحب الدعوة لا يكون قد بلغ عن الله ، ولا يكون قد أقام الحجة لله على الناس إلا إذا ابلغهم حقيقة الدعوة كاملة ، ووصف لهم ماهم عليه ، كما هو فى حقيقتة بلا مجاملة ولا مداهنة ، فهو قد يؤذيهم إن لم يبين لهم إنهم ليسوا على شيء.. وإن ماهم عليه باطل كله من أساسه .. وإنه هو يدعوهم إلى شيء آخر تماماً ، غير ماهم عليه .. يدعوهم إلى نقلة بعيدة ورحلة طويلة ، وتغيير أساسي فى تصوراتهم ، وفى أوضاعهم وفى أخلاقهم ..
فالناس يحبون أن يعرفوا من الداعية أين هم من الحق الذى يدعوهم اليه .. ( ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيا عن بينة ) .
ويقول أيضا : وكذلك ينحصر معنى العبادة فى الجاهلية ، حتى يقتصر على مجرد تقديم الشعائر ، ويحسب الناس أنهم متى قدموا الشعائر لله وحده ، فقد عبدوا الله وحده .. بينما كلمة العبادة إبتداء مشتقة من عبد ، ( عبد ) تفيد إبتداء ( دان وخضع ) . وماالشعائر الا مظهر واحد من مظاهر الدينونة والخضوع لا يستغرق كل حقيقة الدينونة ولا كل مظاهرها..
.. ( إن الدين عند الله الإسلام ) الإسلام الذى ليس هو مجرد دعوى ، وليس مجرد راية وليس مجرد كلمة تقال باللسان ، ولاحتى تصورا يشتمل عليه القلب فى سكون ، ولاشعائر فردية يؤديها الأفراد فى الصلاة والحج والصيام ..لا.. فهذا ليس بالإسلام الذى لا يرضى الله من الناس ديناً سواه ، إنما الإسلام إستسلام ، الإسلام الطاعة والاتباع ، الإسلام تحكيم الله فى أمور العباد ، والإسلام توحيد الالوهية والقوامة
إن مجرد الإعتراف بشريعة منهج أو حكم من صنع غير الله هو بذاته خروج من دائرة ( الإسلام ) .. إن هذا الاعتراف فوق أنه يخالف بالضرورة مفهوم الإسلام الاساسي ، فهو فى الوقت ذاته يسلم الخلافة فى هذه الارض للعمى الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون فى الارض .. فهذا الفساد فى الارض ، مرتبط كل الارتباط بقيادة العمى ] ...
فهو شأن عجيب! . . إنه يكشف عن خطة المنهج القرآني في العقيدة والحركة بهذه العقيدة! إن هذا المنهج لا يُعنى ببيان الحق وإظهاره حتى تستبين سبيل المؤمنين الصالحين فحسب . إنما يعنى كذلك ببيان الباطل وكشفه حتى تستبين سبيل الضالين المجرمين أيضاً . . إن استبانة سبيل المجرمين ضرورية لاستبانة سبيل المؤمنين . وذلك كالخط الفاصل يرسم عند مفرق الطريق!
إن هذا المنهج هو المنهج الذي قرره الله - سبحانه - ليتعامل مع النفوس البشرية . . ذلك أن الله سبحانه يعلم أن إنشاء اليقين الاعتقادي بالحق والخير يقتضي رؤية الجانب المضاد من الباطل والشر؛ والتأكيد من أن هذا باطل محض وشر خالص؛ وأن ذلك حق محض وخير خالص . . كما أن قوة الاندفاع بالحق لا تنشأ فقط من شعور صاحب الحق أنه على الحق؛ ولكن كذلك من شعوره بأن الذي يحاده ويحاربه إنما هو على الباطل . . وأنه يسلك سبيل المجرمين؛ الذين يذكر الله في آية أخرى أنه جعل لكل نبي عدواً منهم { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين } . ليستقر في نفس النبي ونفوس المؤمنين ، أن الذين يعادونهم إنما هم المجرمون؛ عن ثقة ، وفي وضوح ، وعن يقين .
إن سفور الكفر والشر والإجرام ضروري لوضوح الإيمان والخير والصلاح . واستبانة سبيل المجرمين هدف من أهداف التفصيل الرباني للآيات . ذلك أن أي غبش أو شبهة في موقف المجرمين وفي سبيلهم ترتد غبشاً وشبهة في موقف المؤمنين وفي سبيلهم . فهما صفحتان ، متقابلتان وطريقان مفترقتان . . ولا بد من وضوح الألوان والخطوط . .
ومن هنا يجب أن تبدأ كل حركة إسلامية بتحديد سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين . يجب إن تبدأ من تعريف سبيل المؤمنين وتعريف سبيل المجرمين؛ ووضع العنوان المميز للمؤمنين . والعنوان المميز للمجرمين ، في عالم الواقع لا في عالم النظريات . فيعرف أصحاب الدعوة الإسلامية والحركة الإسلامية من هم المؤمنون ممن حولهم ومن هم المجرمون . بعد تحديد سبيل المؤمنين ومنهجهم وعلامتهم ، وتحديد سبيل المجرمين ومنهجهم وعلامتهم . بحيث لا يختلط السبيلان ولا يتشابه العنوانان ، ولا تلتبس الملامح والسمات بين المؤمنين والمجرمين . . .
وهذا التحديد كان قائماً ، وهذا الوضوح كان كاملاً ، يوم كان الإسلام يواجه المشركين في الجزيرة العربية . فكانت سبيل المسلمين الصالحين هي سبيل الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن معه . وكانت سبيل المشركين المجرمين هي سبيل من لم يدخل معهم في هذا الدين . . ومع هذا التحديد وهذا الوضوح كان القرآن يتنزل وكان الله - سبحانه - يفصل الآيات على ذلك النحو الذي سبقت منه نماذج في السورة - ومنها ذلك النموذج الأخير - لتستبين سبيل المجرمين!
وحيثما واجه الإسلام الشرك والوثنية والإلحاد والديانات المنحرفة المتخلفة من الديانات ذات الأصل السماوي بعد ما بدّلتها وأفسدتها التحريفات البشرية . . حيثما واجه الإسلام هذه الطوائف والملل كانت سبيل المؤمنين الصالحين واضحة ، وسبيل المشركين الكافرين المجرمين واضحة كذلك . . لا يجدي معها التلبيس!
ولكن المشقة الكبرى التي تواجه حركات الإسلام الحقيقية اليوم ليست في شيء من هذا . . إنها تتمثل في وجود أقوام من االناس من سلالات المسلمين ، في أوطان كانت في يوم من الأيام داراً للإسلام ، يسيطر عليها دين الله ، وتحكم بشريعته . . ثم إذا هذه الأرض ، وإذا هذه الأقوام ، تهجر الإسلام حقيقة ، وتعلنه اسماً . وإذا هي تتنكر لمقومات الإسلام اعتقاداً وواقعاً . وإن ظنت أنها تدين بالإسلام اعتقاداً! فالإسلام شهادة أن لا إله إلا الله . . وشهادة أن لا إله إلا الله تتمثل في الاعتقاد بأن الله - وحده - هو خالق هذا الكون المتصرف فيه . وأن الله - وحده - هو الذي يتقدم إليه العباد بالشعائر التعبدية ونشاط الحياة كله . وأن الله - وحده - هو الذي يتلقى منه العباد الشرائع ويخضعون لحكمه في شأن حياتهم كله . . وأيما فرد لم يشهد أن لا إله إلا الله - بهذا المدلول - فإنه لم يشهد ولم يدخل في الإسلام بعد . كائناً ما كان اسمه ولقبه ونسبه . وأيما أرض لم تتحقق فيها شهادة أن لا إله إلا الله - بهذا المدلول - فهي أرض لم تدن بدين الله ، ولم تدخل في الإسلام بعد . .
وفي الأرض اليوم أقوام من الناس أسماؤهم أسماء المسلمين؛ وهم من سلالات المسلمين . وفيها أوطان كانت في يوم من الأيام داراً للإسلام . . ولكن لا الأقوام اليوم تشهد أن لا إله إلا الله - بذلك المدلول - ولا الأوطان اليوم تدين لله بمقتضى هذا المدلول . .
وهذا أشق ما تواجهه حركات الإسلام الحقيقية في هذه الأوطان مع هؤلاء الأقوام!
أشق ما تعانيه هذه الحركات هو الغبش والغموض واللبس الذي أحاط بمدلول لا إله إلا الله ، ومدلول الإسلام في جانب؛ وبمدلول الشرك وبمدلول الجاهلية في الجانب الآخر . .
أشق ما تعانيه هذه الحركات هو عدم استبانة طريق المسلمين الصالحين ، وطريق المشركين المجرمين؛ واختلاط الشارات والعناوين؛ والتباس الأسماء والصفات؛ والتيه الذي لا تتحدد فيه مفارق الطريق!
ويعرف أعداء الحركات الإسلامية هذه الثغرة .
فيعكفون عليها توسيعاً وتمييعاً وتلبيساً وتخليطاً . حتى يصبح الجهر بكلمة الفصل تهمة يؤخذ عليها بالنواصي والأقدام! . . تهمة تكفير « المسلمين »!!! ويصبح الحكم في أمر الإسلام والكفر مسألة المرجع فيها لعرف الناس واصطلاحهم ، لا إلى قول الله ولا إلى قول رسول الله!
هذه هي المشقة الكبرى . . وهذه كذلك هي العقبة الأولى التي لا بد أن يجتازها أصحاب الدعوة إلى الله في كل جيل!
يجب أن تبدأ الدعوة إلى الله باستبانة سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين . . ويجب ألا تأخذ أصحاب الدعوة إلى الله في كلمة الحق والفصل هوادة ولا مداهنة . وألا تأخذهم فيها خشية ولا خوف؛ وألا تقعدهم عنها لومة لائم ، ولا صيحة صائح : انظروا! إنهم يكفرون المسلمين!
إن الإسلام ليس بهذا االتميع الذي يظنه المخدوعون! إن الإسلام بيّن والكفر بين . . الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله - بذلك المدلول - فمن لم يشهدها على هذا النحو؛ ومن لم يقمها في الحياة على هذا النحو ، فحكم الله ورسوله فيه أنه من الكافرين الظالمين الفاسقين . . المجرمين.
{ وكذلك نفصّل الآيات ، ولتستبين سبيل المجرمين } . .
أجل يجب أن يجتاز أصحاب الدعوة إلى الله هذه العقبة؛ وأن تتم في نفوسهم هذه الاستبانة؛ كي تنطلق طاقاتهم كلها في سبيل الله لا تصدها شبهة ، ولا يعوّقها غبش ، ولا يميعها لبس . فإن طاقاتهم لا تنطلق إلا إذا اعتقدوا في يقين أنهم هم ( المسلمون ) وأن الذين يقفون في طريقهم ويصدونهم ويصدونا الناس عن سبيل الله هم ( المجرمون ) . . كذلك فإنهم لن يحتملوا متاعب الطريق إلا إذا استيقنوا أنها قضية كفر وإيمان . وأنهم وقومهم على مفرق الطريق ، وأنهم على ملة وقومهم على ملة . وأنهم في دين وقومهم في دين :
{ وكذلك نفصّل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين } . .
. . وصدق الله العظيم . .
كذلك كدنا ليوسف . . ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك . . } . .
إن هذا النص يحدد مدلول كلمة ( الدين )في هذا الموضع تحديداً دقيقاً . . إنه يعني : نظام الملك وشرعة . . فإن نظام الملك وشرعه ما كان يجعل عقوبة السارق هو أخذه في جزاء سرقته . إنما هذا كان نظام يعقوب وشريعة دينه . وقد ارتضى إخوة يوسف تحكيم نظامهم هم وشريعتهم؛ فطبقها يوسف عليهم عندما وجد صواع الملك في رحل أخيه . . وعبر القرآن الكريم عن النظام والشريعة بأنها ( الدين ) . .
هذا المدلول القرآني الواضح هو الذي يغيب في جاهلية القرن العشرين عن الناس جميعاً . سواء منهم من يدعون أنفسهم مسلمين وغيرهم من الجاهلين!
إنهم يقصرون مدلول ( الدين ) على الاعتقاد والشعائر . . ويعدون كل من يعتقد في وحدانية الله وصدق رسوله ويؤمن بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره؛ ويؤدي الشعائر المكتوبة . . داخلاً في ( دين الله ) مهما تكن دينونته بالطاعة والخضوع وإقراره بالحاكمية لغير الله من الأرباب المتفرقة في الأرض . . بينما النص القرآني هنا يحدد مدلول { دين الملك } بأنه نظام الملك وشريعته . وكذلك ( دين الله ) فهو نظامه وشريعته . .
إن مدلول ( دين الله ) قد هزل وانكمش حتى صار لا يعني في تصور الجماهير الجاهلية إلا الاعتقاد والشعائر . . ولكنه لم يكن كذلك يوم جاء هذا الدين منذ آدم ونوح إلى محمد عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين .
لقد كان يعني دائماً : الدينونة لله وحده؛ بالتزام ما شرعه ، ورفض ما يشرعه غيره . وإفراده سبحانه بالألوهية في الأرض مثل إفراده بالألوهية في السماء؛ وتقرير ربوبيته وحده للناس : أي حاكميته وشرعه وسلطانه وأمره . وكان مفرق الطريق دائماً بين من هم في دين ( الله ) ومن هم في { دين الملك } أن الأولين يدينون لنظام الله وشرعه وحده ، وأن الآخرين يدينون لنظام الملك وشرعه . أو يشركون فيدينون لله في الاعتقاد والشعائر ، ويدينون لغير الله في النظام والشرائع!
وهذا من المعلوم من الدين بالضرورة ، ومن بديهيات العقيدة الإسلامية تماماً .
وبعض المترفقين بالناس اليوم يتلمسون لهم عذراً في أنهم يجهلون مدلول كلمة ( دين الله ) وهم من ثم لا يصرون ولا يحاولون تحكيم شريعة الله وحدها بوصفها هي ( الدين ) . وأن جهلهم هذا بمدلول الدين يعفيهم من أن يكونوا جاهليين مشركين!
وأنا لا أتصور كيف أن جهل الناس ابتداء بحقيقة هذا الدين يجعلهم في دائرة هذا الدين!
إن الاعتقاد بحقيقة فرع عن معرفتها . فإذا جهل الناس حقيقة عقيدة فكيف يكونون معتنقين لها؟ وكيف يحسبون من أهلها وهم لا يعرفون ابتداء مدلولها؟
إن هذا الجهل قد يعفيهم من حساب الآخرة ، أو يخفف عنهم العذاب فيها؛ ويلقي بتبعاتهم وأوزارهم على كاهل من لا يعلمونهم حقيقة هذا الدين وهم يعرفونها . . ولكن هذه مسألة غيبية متروك أمرها لله ، والجدل في الجزاء الأخروي لأهل الجاهلية عامة ليس وراءه كبير طائل . وليس هو الذي يعنينا نحن البشر الذين ندعو إلى الإسلام في الأرض!
إن الذي يعنينا هو تقرير حقيقة الدين الذي فيه الناس اليوم . . أنه ليس دين الله قطعاً . فدين الله هو نظامه وشرعه وفق النصوص القرآنية الصريحة . فمن كان في نظام الله وشرعه فهو في ( دين لله ) . ومن كان في نظام الملك وشرعه فهو في ( دين الملك ) . ولا جدال في هذا .
والذين يجهلون مدلول الدين لا يمكن أن يكونوا معتقدين بهذا الدين . لأن الجهل هنا وارد على أصل حقيقة الدين الأساسية . والجاهل بحقيقة هذا الدين الأساسية لا يمكن عقلاً وواقعاً أن يكون معتقداً به . إذ الاعتقاد فرع عن الإدراك والمعرفة . . وهذه بديهية . .
وخير لنا من أن ندافع عن الناس وهم في غير دين الله ونتلمس لهم المعاذير ، ونحاول أن نكون أرحم بهم من الله الذي يقرر مدلول دينه وحدوده! . .
خير لنا من هذا كله أن نشرع في تعريف الناس حقيقة مدلول ( دين الله ليدخلوا فيه . . أو يرفضوه . .
هذا خير لنا وللناس أيضاً . . خير لنا لأنه يعفينا من تبعة ضلال هؤلاء الجاهلين بهذا الدين ، الذين ينشأ عن جهلهم به عدم اعتناقه في الحقيقة . . وخير للناس لأن مواجهتهم بحقيقة ما هم عليه وأنهم في دين الملك لا في دين الله قد تهزهم هزة تخرجهم من الجاهلية إلى الإسلام ، ومن دين الملك إلى دين الله!
كذلك فعل الرسل عليهم صلوات الله وسلامه وكذلك ينبغي أن يفعل الدعاة إلى الله في مواجهة الجاهلية في كل زمان ومكان . .
اللهم وفقنا لما تحب وترضى

Comments

Popular posts from this blog

لا يجوز التحاكم للطاغوت تحت أى مسوغ :

شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))

تبصرة عقلاء العصر بأن ( مرسي ) طاغوت مصر