أتباع كل ناعق

إن العقل البشري هو أكبر ميزة ميز الله بها الإنسان عن غيره من المخلوقات فقال الله سبحانه وتعالي "انا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا" وهو إيقاع يكشف عن جسامة العبء الملقى على عاتق البشرية , وعلى عاتق الجماعة المسلمة بصفة خاصة خلق الإنسان وميزه بالعقل ليستعمله لا ليلغيه ويسلمه لشيخ أو شخص او ناشط سياسي يفكر له ويقرر له وهنا لابد من وقفة.قال سيدنا على بن أبي طالب رضي الله عنه "الناس ثلاثة:عالمٌ ربانيَّ , و متعلمٌ على سبيل نجاة. , و همجٌ رعاعٌ اتباعُ كل ناعقٍ يميلونَ مع كل ريح لم يستضيئو بنور العلم و لم يلجأو الى ركن وثيق."يقول ابن القيم فى شرح هذا الحديث:وقوله: «أتباع كل ناعق» أي: من صاح بهم ودعاهم تبعوه، سواء دعاهم إلى هدى أو إلى ضلال، فإنهم لا علم لهم بالذي يدعون إليه أحقٌّ هو أم باطل؟ فهم مستجيبون لدعوته، وهؤلاء من أضر الخلق على الأديان، فإنهم الأكثرون عدداً، الأقلون عند الله قدراً، وهم حطب كل فتنة، بهم توقد ويشب ضرامها فإنها يعتزلها ألو الدين، ويتولاها الهمج الرعاع.وسمى داعيهم ناعقاً تشبيها لهم بالأنعام التي ينعق بها الراعي فتذهب معه أين ذهب!وهذا الذي وصفهم به أمير المؤمنين هو من عدم علمهم وظلمة قلوبهم، فليس لهم نور ولا بصيره يفرقون بها بين الحق والباطل، بل الكل عندهم سواء. أنتهي كلامه رحمه اللهواليوم كثر الناعقون وان كان نعيقهم يأتيك أحيانا على شكل "تغريدات" أو يطل عليك من شاشات "الفضائيات" وكل ناعق له أتباع كثر يؤيدون وجهة نظره واذا أختلف ناعقين فى أمر ما فينزل كل منهم إلي ميدان من الميادين ويبدأون النعيق حتي صموا أذان الناس عن الحقيقة فلم يعد احد يميز صوت الحق وسط هذا النعيق والصراخ المتعالي من كل الجوانبكمان ان المشكلة الثانية هي أن الشخص التابع الذي لا يوجد فى قلبه نور واعتاد على الإمعية والتبعية مستعد لتبرير أى خطأ يراه من جانبه فهو لم يلجأ إلي ركن وثيق يبين له الحق من الضلال وإنما لجأ إلي جدار متهاوي يخشي إذا سقط أن يسقط معه فيحاول أن يقيمه بشتي الطرق وإن كان فى سبيل ذلك يجعل الحق باطلا والباطل حقايقول الله سبحانه وتعالي"فاستخف قومه فأطاعوه . إنهم كانوا قوماً فاسقين"قال سيد قطب رحمه الله في ظلال هذه الاية الكريمة من سورة الزخرف :” واستخفاف الطغاة للجماهير أمر لا غرابة فيه ; فهم يعزلون الجماهير أولاً عن كل سبل المعرفة , ويحجبون عنهم الحقائق حتى ينسوها , ولا يعودوا يبحثون عنها ; ويلقون في روعهم ما يشاءون من المؤثرات حتى تنطبع نفوسهم بهذه المؤثرات المصطنعة . ومن ثم يسهل استخفافهم بعد ذلك , ويلين قيادهم , فيذهبون بهم ذات اليمين وذات الشمال مطمئنين !ولا يملك الطاغية أن يفعل بالجماهير هذه الفعلة إلا وهم فاسقون لا يستقيمون على طريق , ولا يمسكون بحبل الله , ولا يزنون بميزان الإيمان . فأما المؤمنون فيصعب خداعهم واستخفافهم واللعب بهم كالريشة في مهب الريح . انتهي كلامه رحمه اللهالمشكلة معي انا شخصيا أن الكثير من الناس الآن يقولون لي لا تخالف الشيوخ وبعضهم يعتقد انه لو اتبع شيخ والشيخ اخطأ فالله سيحاسب الشيخ وحده ولن يحاسبه او كما يقول العامة والجهال "الزقها فى عالم واطلع سالم" وهذا غير صحيح فالله سبحانه وتعالي قال "إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ" فلا حجة لك عليه يوم القيامة والرسول عليه الصلاة والسلام تحدث عن "دُعَاة على أبواب جهنَّم، مَن أجابَهُم إليها قذَفُوه فيها" وهم أيضا ليسوا غرباء عنا أو من خارج بلادنا بل هم كما قال الرسول صلي "من جِلدَتِنا، ويتكلَّمون بألسنتنا"نعم هم يدخلوك النار بأيديهم بل يقذفوك فيها قذفا ولم يفرق الرسول صلي الله عليه وسلم بين متعلم وجاهل , او صغير و كبير , او رجل و امرأة فقد انقطع العذر كما قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لا عذر لأحد فى ضلالة ركبها حسبها هدي ولا هدي تركه حسبه ضلالة فقد بينت الأمور وثبتت الحجة وانقطع العذر"ولا حجة لك أيضا بأن تقول "الناس كلها كدة يعني هي جات عليا انا" فالرسول صلي الله عليه وسلم يقول ”لا يكن أحدكم إمعة ، يقول أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت ، وإن أساءوا   أسأت ، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا ، وإن  أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم" فالرسول صلي الله عليه وسلم يحذر من الانسان الإمعة الذي يلغي كيانه ووجوده ويسلم نفسه ويتبع كل ناعق ويميل مع كل تيار أو يسير مع الركب حيث سار ولكن الإمعية فى عصرنا هذا أصبحت أسلوب حياة والله سبحانه وتعالي يقول "وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ. "ومن مظاهر الاتباع الاعمى والامعية فى هذا العصر أيضا السير خلف وسائل الاعلام بدون وعى أو فهم و ترديد الشائعات دون معرفة مصدرها وعدم التبين فمجرد أن ينشر أحدهم خبر كاذب او مفبرك تتناقله كل وسائل الاعلام وخاصةً على الانترنت مثل صفحات "الفيسبوك" فتجد الشخص يقوم بعمل "شير" بدون تفكير او تعقل أو بحث وغالبا ما تجد معظم هذه الأخبار مصحوبة بجملة "شير وافضحهم" او اى شيئ من هذا القبيل فتجد الشخص يتحمس ويقوم بعمل "شير" بدون تفكير او تروي او تعقل او تأكد من هذا الخبر أصلا ولكن لمجرد أنه يسند هذا الجدار المتهاوي الذي يرتكن إليه فلم يكن مستعدا للتفكير فى هذا الامر.الحقيقة أن ظاهرة "الخرفان" لم تصبح حكرا على أى فصيل معين فى مصر
كتبه / أحمد المهديفى 31/12/2012

Comments

Popular posts from this blog

لا يجوز التحاكم للطاغوت تحت أى مسوغ :

شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))

تبصرة عقلاء العصر بأن ( مرسي ) طاغوت مصر