العلمانية فى مواجهة المجتمعات الاسلامية


"العلمانية فى مواجهة المجتمعات الاسلامية"

 ظهرت العلمانية فى أوروبا لمواجهة تحكم الكنيسة وإستبدادها حيث أستغلت إسم الله للتحكم فى حياة الناس حيث كان للبابا سلطة اعلى من سلطة الملوك والسلاطين وحولت الناس الى سادة إقطاعيين وفلاحين عبيد وأقنعتهم بإسم الدين أن الله خلق الناس سادة وعبيد وعليهم أن يرضخوا لحكم الله كما حاربت الكنيسة العلم والتقدم العلمي وإعتبرته سحر وحاربت العلماء واضهدتهم وتعرض العالم جاليليو للسجن بسبب أبحاثه التي تقول أن الأرض ليست مركز الكون بل هي جزء من مجموعة شمسية التي هي بدورها جزء من مجرة وقال أن الأرض تدور حول الشمس وليس العكس وأن الأرض تتحرك وليست ثابته مما يخالف الكتاب المقدس فتعرض للسجن والتعذيب حتي أقر أنه يكذب وأن الأرض ثابته فتم إطلاق صراحه ثم نفيه بعد ذلك ومات فى المنفيكما أنه فى المحاولة الأولى لتشغيل القطار وقف أمامه أباء الكنيسة متشابكي الأيدي وهم يقولون " هذا الشيطان يتحرك"وهذا كله لمحة عن أوروبا فى العصور المظلمة وما عانت منه على يد الكنيسة حتي ثارت أوروبا ضد النظام الكنسي وكان شعار الثورة الفرنسية هو "أشنقوا أخر ملك بأمعاء أخر قسيس"وقد وجد الأوروبيون أن العلمانية هي الحل لكل مشاكلهم وتم تطبيقها فى أوروبا وبدا عصر النهضة والتنويرولكن المشكلة أن الأوروبيون ظنوا أن هذا الحل صالح لكل زمان ومكان وبدأت محاولة تصدير العلمانية للمجتمعات الإسلامية ولكنهم لم يضعوا فى حسابهم إختلاف الظروف بين المجتمعات فبينما كانت أوروبا تعيش فى عصورها المظلمة كانت الحضارة الإسلامية تعيش عصرها الذهبي فكان المسلمون يعيشون ثراء حضاريا وثقافيا وإرتقوا فى كل المجالات العلمية كالطب والهندسة والبصريات والرياضات والفلك .... إلخكما أن العرب لم يعرفوا فكرة الدولة الثيوقراطية التي تحكم بإسم الله فكانت الدولة الاسلامية دولة مدنية ولم تعاني الشعوب الإسلامية من الجهل والتخلف ففي الوقت الذي كان فيه الطفل المسلم يعرف الكثير من العلوم كان أى ملك فى أوروبا لا يعرف كيف يكتب إسمهفالعلمانية كفكرة لا تصلح للدول الإسلاميةفأخطأ رموز العلمانية حين فرضوا على المجتمعات الإسلامية  حلولا لا علاقة لها بمشكلتهم إنما هي نتاج التجربة الاوربية مع المسيحيةوأخطأوا مرة أخري حين ساووا بين العلماء المسلمين والمؤسسات الكنسيةلذلك فإن نتائج العلمانية فى العالم الإسلامي والعربي اختلفت كثيرا عنها فى أوروباففى أوروبا نتج عنها ثورة فكرية وحضارية اما فى المجتمع الإسلامي فان النخب المستغربة  تحولت بعد تسلمها للسلطة إلي ألات بطش عوقت مسيرة المجتمع وكرست تخلفهفبدأ تطبيق العلمانية فى الدول الإسلامية فى تركيا عاصمة الخلافة الإسلامية على يد مصطفي كمال أتاتورك الذي لمعه الغرب وساعده حتي وصل للحكم فقام بفرض العلمانية على الشعب التركي بالقوة والعنف فقام بإلغاء الخلافة الإسلامية وألغي الحكم بالشريعة الإسلامية وشن حملة تصفية ضد رموز الدين ومنع اللباس الاسلامي المحتشم وفرض الزي الأوروبي السافر على المرأة التركية بالقوة ومنع تعدد الزوجات ووضع قيودا على الطلاق وألغي التقويم الهجري وإستخدم الحروف اللاتينية بدلا من العربية فى الكتابة كما أنه منع الأذان باللغة العربيةكل هذا أدي الى إثارة الشارع التركي عليه الذي هو فى الأصل شعب مسلم لكن أتاتورك إستخدم القوة لفرض هذه العلمانية على الأتراك ووصلت عقوبة عدم الإلتزام بهذه العلمانية فى بعض الاحيان الي حد الإعدامومن التجربة التركية ننتقل للتجربة الجزائرية عندما بدا للجميع أن حزب جبهة الإنقاذ الوطني الإسلامي هو الأقرب للحكم بعد إرتفاع شعبيته فتدخل الجيش فى إنقلاب عسكري للسيطرة على الحكم وفرض العلمانية بالقوة على الشعب الجزائري المسلم وما تبعها من الغاء تعدد الزوجات ومنع الحجاب ... إلخولا تختلف هذه التجربة كثيرا عن التجربة التونسية التي فرضت فيها العلمانية على الشعب التونسي بالقوة عندما صدرت "مجلة الأحوال الشخصية" التي  تضمنت أحكام كمنع تعدد الزوجات وجعل الطلاق بأيدي المحكمة وغيرها من الاحكام العلمانيةوفرح العلمانيون كثيرا بالتجربة الجزائرية وأشادوا بتدخل الجيش فى الوقت المناسب برغم أنهم يعلنون دوما أنهم ضد حكم "العسكر" ولكن من الواضح أنهم يؤمنون بمدأ ميكافيلي " الغاية تبرر الوسيلة " وصنعوا من القوة والبطش وسيلة لتحقيق أهدافهمقامت الدكتورة نيلوفر تمولة الأستاذة فى علم الإجتماع بكتابة بحث لها بعنوان "العلمانية الفاشستية فى مواجهة النخب الإسلامية"تتحدث فيه عن أن التلازم بين الديموقراطية والعلمانية فى العالم الغربي لم يتحقق فى العالم الإسلامي حيث دخلت العلمانية فى صدام مباشر فى جميع الدول الإسلامية التي طبقت فيها برامج التحديث وإتخذت دكتورة نيلوفر من التجربة التركية نوذجا يؤيد رأيها فى أن النخب المستغربة باشرت فى تقويض الديموقراطية بإسم العلمانية خشية أن تؤدي سيادة الشعب إلي سيادة الإسلام ولذلك كانت العلمانية ذريعة إحتمت بها أنظمة فاشستية قمعية خشية من أن تؤدي الديموقراطية إلي الإختيار الحر للجماهير الذي كان سيؤدي بالضرورة إلي إختيار الإسلام نظاما للحياة وهو ما حدث فى الجزائر حين ألغيت الديموقراطية بإسم العلمنةونلاحظ من بحث دكتورة نيلوفر توظيف العلمانية فى ضرب الديموقراطيةيقول البروفيسور لويس كنتوري أنه آن الأوان لفك الإرتباط بين الثلاث مصطلحات : الليبرالية والعلمانية والتقدم. فليس صحيحا أنها متداخلة ومترابطة بحيث يتعلق كل منها بمصير الأخر فإن تجربة قرنين من الزمان أثبتت فى حالات عدة أن العلمانية لا تعني بالضرورة التقدموفى رأيه أن لا العلمانية ولا الليبرالية ولا الماركسية تصلح أساسا لإنهاض العالم الإسلامي فكل منها يتناقض مع تركيبة المجتمع الإسلامي الذي لا مفر من الإعتراف بأنه يمثل يمثل ثقافة متغايرة تماما لتلك السائدة فى المجتمع الغربيوأضاف أنه من خلال دراساته المطولة لتجارب العالم الإسلامي والمشروعات الفكرية السائدة فيه وجد ان فكرة "التكافلية" هي الأنسب للتعبير عن مشروع المجتمع الإسلامي وهي صيغة تعلي من شأن الدين وتغلب مصلحة الجماعة وتحفظ للأخلاق والقيم السامية مكانتها , الأمر الذي يجعلها أكثر نفعا وأفضل أداء من العلمانية والليبرالية.وهو يري أن ثمة مشروعات فكرية إسلامية تبلورت فى العالم العربي تعتمد على ذلك النهج التكافلي المنطلق من قاعدة الإسلام وفى رأيه أنها مشروعات واعدة تمثل فكرا تقدميا قادر على إنهاض الامة وتلبية أشواقها.

Comments

Popular posts from this blog

لا يجوز التحاكم للطاغوت تحت أى مسوغ :

شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))

تبصرة عقلاء العصر بأن ( مرسي ) طاغوت مصر