كفر الاستحلال وإنتشاره
كفر الاستحلال .
إن قضية التحليل والتحريم فرع عن قضية الحاكمية ، ومكانتها فى العقيدة والدين هى مكانة قضية الحاكمية ، وقد سبق التأصيل لها عند الكلام عن كفر الحاكمية ، وسأكتفى هنا بآيتين تبينان أن التحليل والتحريم حق خالص لله يقول تعالى :{قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ }[يونس : 59] ، ويقول تعالى : {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل : 116]
وكفر الاستحلال : هو تحليل ما حرم الله بالاعتقاد او القول او العمل وهو نوع من الكفر .
حكم المستحل : من استحل الحرام المجمع عليه كفر ، والمتابع له مشرك ، وقد ثبت ذلك بالكتاب والسنة والإجماع.
الأدلة من القرآن :
1- شرك مستحل الميتة قال تعالى : {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}[الأنعام : 121] نزلت هذه الآية بمكة ، وقد حرم الله على المسلمين اكل الميتة ، فجادلهم المشركون وقالوا ماذبحتم بأيديكم اكلتم منه ، وما ذبح الله بسكين من ذهب لم تأكلوه ، فكادت الشبهة تدخل على بعض المسلمين ، فنزلت هذة الفتوى الربانية والحكم السماوى (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ) يقول الطبرى : (يعني: إنكم إذًا مثلهم، إذ كان هؤلاء يأكلون الميتة استحلالا، فإذا أنتم أكلتموها كذلك، فقد صرتم مثلهم مشركين). اهـ (( ))
2-كفر النسيء قال تعالى :{ إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ }[التوبة: 37]
النسيء : هو تأخير حرمة المحرم وهو شهر حرام إلى صفر وهو شهر حلال ، مما يترتب عليه استحلال الحرام أى استحلال القتال فى المحرم، وتحريم الحلال أى تحريم القتال فى صفر ، وقد حكم الله على من فعل ذلك بالكفر (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ)
الأشهر الحرم هى (ذو القعدة –ذو الحجة- المحرم –رجب ) وكان القتال محرما فيها فى شريعة إبراهيم عليه السلام.
3-( قتل العرب أبنائهم) قال تعالى :{ وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُون}[الأنعام: 137] كان العرب يقتلون أبناءهم استحلال لذلك لا معصية ، فقد كانوا يئدون بناتهم خشيه الفقر او العار , ويقتلون أبناءهم من الإملاق أو نذراً للألهه كما فعل عبد المطلب , وصار ذلك ديناً و عادة فيهم وأمراً حلالاً لا غضاضه فيه ، حتى جاء القرآن فعد ذلك كفراً وشركاً فوق شركهم وكفرهم.
4- (أصحاب السبت ) قال تعالى : (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ)[البقرة: 65]
وأصحاب السبت هم فرقة من اليهود استحلوا العمل والصيد يوم السبت ، وقد حرم عليهم العمل في هذا اليوم فاحتالوا حتى أصبح ذلك أمرا شائعا فيهم ، فمسخهم الله لاستحلالهم حرمات الله ، وهذه هى إحدى صور الاستحلال بالعمل وهو أن تنتشر المعصية فى مجتمع حتى تصبح عرفا غير منكر والدليل على ذلك قوله تعالى:{لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}[المائدة: 79] فجعل عدم تناهيهم عن المنكر اعتداء واستحلال فاستحقوا بة الكفر واللعن ، فانتشار المعصية فى مجتمع حتى تصبح عرفاً غير مستنكرا استحلال بالعمل.
الدليل من السنة على كفر المستحل :
الرجل الذى تزوج امرأة أبيه (فعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ لَقِيتُ خَالِي وَمَعَهُ الرَّايَةُ فَقُلْتُ أَيْنَ تُرِيدُ قَالَ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ إِلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ أَوْ أَقْتُلَهُ وَآخُذَ مَالَهُ). (( )) ، وهذه إحدى صور الاستحلال بالعمل وهو أن يعقد الإنسان على إحدى محارمه
عقد نكاح فيكفر بذلك لاستحلاله ما حرم الله بخلاف الزنا فهو حرام وليس كفرا .
قال الطحاوي في شرح معاني الآثار: فلما لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالرجم، وإنما أمره بالقتل، ثبت بذلك أن ذلك القتل ليس بحد للزنا، ولكنه لمعنى خلاف ذلك، وهو أن ذلك المتزوج فعل ما فعل من ذلك على الاستحلال، كما كانوا يفعلون في الجاهلية، فصار بذلك مرتدا.اهـ
الدليل من الإجماع على كفر المستحل :
يقول ابن تيمية : (وَالْإِنْسَانُ مَتَى حَلَّلَ الْحَرَامَ - الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ - أَوْ حَرَّمَ الْحَلَالَ - الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ - أَوْ بَدَّلَ الشَّرْعَ - الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ - كَانَ كَافِرًا مُرْتَدًّا بِاتِّفَاقِ). اهـ (( )) ، ويقول أيضا رحمه الله : (وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ أَسْقَطَ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ فَهُوَ كَافِرٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى).اهـ(( )) ، والاستحلال اسقاط للنهى .
أقوال العلماء :
يقول ابن حزم : (فإن كان يعتقد أن لأحد بعد موت النبي أن يحرم شيئا كان حلالا إلى حين موته عليه السلام أو يحل شيئا كان حراما إلى حين موته عليه السلام ، أو يوجب حدا لم يكن واجبا إلى حين موته عليه السلام ، أو يشرع شريعة لم تكن في حياته عليه السلام فهو كافر مشرك حلال الدم والمال حكمه حكم المرتد ). اهـ (( ))
ويقول أيضا عن حالات إحداث التشريعات الكفرية : (إما إحلال محرم كتحليل لحم الخنزير والخمر والميتة وإما تحريم محلل كتحريم لحم الكبش ، وما أشبه ذلك وأي هذه الوجوه كان فالقائل به مشرك لاحق باليهود والنصارى). اهـ (( ))
وفى زماننا استحلال لكثير من حرمات الله أعظمها إصدار قوانين وتشريعات تنظم و تضبط تعاطى المحرمات وتداولها بين الناس كالقوانين المنظمة للربا والخمر والميسر والملاهى الليلية ، وأكثر صور الاستحلال انتشارا استحلال الربا ، حيث يبدأ بإصدار رجال الدين الفتاوى بحل المعاملات الربوية ، وينتهى باصدار القوانين واللوائح المنظمة للعملية الربوية ، و بإنشاء المبانى والمنشآت المسماة بالبنوك لانجاز العملية الربوية قال تعالى :{ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ}
Comments
Post a Comment