كُفر الاستــهزاء بالدين


المعنى الجامع :إن المعنى الجامع لكل أحكام الدين وشعائره هو التعظيم .
والاستهزاء نقض لهذا الأصل والتعظيم يكون بتعظيم الله ورسله وأوامره وشعائره
يقول ابن تيمية
---------------
(الإيمان الذى هو تعظيم لله وخضوع للهيبة والجلال والطاعة للمصدق به وهو الله )(مجموع الفتاوى)

(أن الإيمان وإن كان أصله تصديق القلب فذلك التصديق لابد أن يوجب حالا في القلب و عملا له و هو تعظيم الرسول و إجلاله و محبته و ذلك أمر لازم)(الصارم المسلول )

(وإنما دين الله تعظيم بيوت الله وحده لا شريك له وهى المساجد التى تشرع فيها الصلوات) (مجموع الفتاوى) بل معانى التوحيد وآيات القرآن كلها داعية إلى التعظيم

أولا:ارتباط التعظيم بتوحيد الربوبية
________________________

إن الرب سبحانه استحق التعظيم لصفات ربوبيته ولذا ارتبطت الربوبية بالتعظيم فى القرآن كثيرا فمنها قوله تعالى(فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) وقد وردت الآية فى القرآن ثلاث مرات وفيها أمر بتسبيح الرب العظيم وقرنت الآية بين اسمه تعالى الرب واسمه تعالى العظيم (رَبِّكَ الْعَظِيمِ) أى أن ربوبيته على خلقه أوجبت تعظيمه ومنها قوله تعالى( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) إن التسبيح معناه التنزيه عن النقائص والتنزيه أحد صور التعظيم ومظاهره والقرآن ربط بين وجوب تسبيح الله وتعظيمه وصفات ربوبيته فقال تعالى{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (5)}بدأت الآية بوجوب التسبيح ثم اتبعت بصفات ربوبيته كالخلق والتقدير وإخراج المرعى
وعن معنى التسبيح يقول ابن تيمية(ولهذا كان تنزيهه الله تعالى بقوله : ( سبحان الله ) يتضمن مع نفي صفات النقص عنه إثبات ما يلزم ذلك من عظمته فكان التسبيح تعظيم له مع تبرئته من السوء ولهذا جاء التسبيح عند العجائب الدالة على عظمته كقوله تعالى : { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا } وأمثال ذلك ولما قال : { سبحان ربك رب العزة عما يصفون } كان تنزيهه عما وصفوه به متضمنا لعظمته اللازمة لذلك النفي) (الصارم المسلول)

والتسبيح يكون باللسان بالنطق بكلمة (سبحان الله) ويكون التسبيح بالعمل بالتزام التوحيد وترك الشرك قال تعالى { أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ } ويكون التسبيح بالاعتقاد باعتقاد نزاهته سبحانه عن الشريك ، إذن فالمشرك بإشراكه لم يسبح الله بالعمل والاعتقاد وإن سبحه بالقول

ثانيا :ارتباط التعظيم بتوحيد الألوهية
__________________________

توحيد الألوهية هو توحيد العبادة والعبادة هى الخضوع لله بالطاعة والتذلل له بالنسك والشعائر وأصلها الخضوع والذل والعرب سمت العبد عبدا لخضوعه وذله لمولاه أى أن عبودية العبد لا تتحقق إلا بذله وخضوعه لخالقه وما الطاعة والشعائر إلا مظاهر لهذا الخضوع والذل وهذا هو كمال التعظيم للخالق عز وجل فمن خضع له بطاعته فيما أمر وأذل نفسه له بتقديم الشعائر التعبدية له فقد عظمه حق التعظيم وقد ورد الأمر بالتعظيم عند ذكر نوعى العبادة فقال تعالى عن تعظيم طاعته وحرماته {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} وقال تعالى عن تعظيم شعائره (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) والركوع أكبر شعيرة يظهر فيها معنى التعظيم يقول ابن القيم (سر الركوع تعظيم الرب جل جلاله بالقلب والقالب والقول ولهذا قال النبي أما الركوع فعظموا فيه الرب) (الصلاة وحكم تاركها) (ثم يركع جاثيا له ظهره خضوعا لعظمته وتذللا لعزته واستكانة لجبروته مسبحا له بذكر اسمه العظيم فنزه عظمته عن حال العبد وذله وخضوعه وقابل تلك العظمة بهذا الذل والانحناء والخضوع قد تطامن وطأطأ رأسه وطوى ظهره وربه فوقه يرى خضوعه وذلة ويسمع كلامه فهو ركن تعظيم وإجلال كما قال صلى الله عليه و سلم أما الركوع فعظموا فيه الرب) (شفاء العليل)

ثالثا: ارتباط التعظيم بتوحيد الأسماء والصفات
________________________________

كل أسماء الله وصفاته توجب تعظيمه سبحانه ومن أكثر هذه الصفات لزوما لمعنى التعظيم (العظيم _ العلى_الأعلى_السبوح _ القدوس)(العظيم):هو الذى له العظمة المطلقة فى صفاته وأفعاله ووجب على الخلق تعظيمه
(العلى،الأعلى):هو الذى له علو الذات والصفات والشأن ووجب على الخلق الانخفاض له
(السبوح ،القدوس):هو المنزه عن كل عيب ونقص ووجب على خلقه عدم نسبة النقص إليه
علامات التعظيم ومظاهرة يقول ابن القيم (وأما علامات تعظيم المناهي فالحرص على التباعد من مظانها وأسبابها وما يدعو إليها ومجانبة كل وسيلة تقرب منها...
ومن علامات تعظيم النهي أن يغضب الله عز و جل إذا انتهكت محارمه وأن يجد في قلبه حزنا وكسرة إذا عصى الله تعالى في أرضه ولم يضلع باقامة حدوده وأوامره ولم يستطع هو أن يغير ذلك
ومن علامات تعظيم الأمر والنهي أن لا يسترسل مع الرخصة إلى حد يكون صاحبه جافيا غير مستقيم على المنهج الوسط...
ومن علامات تعظيم الأمر والنهي أن لا يحمل الأمر على علة تضعف الانقياد والتسليم لأمر الله عز و جل بل يسلم لأمر الله تعالى وحكمه ممتثلا ما أمر به سواء ظهرت له حكمته أو لم تظهر) (الوابل الصيب)
التعظيم على قدر المعرفة (على قدر المعرفة يكون تعظيم الرب تعالى في القلب وأعرف الناس به : أشدهم له تعظيما وإجلالا وقد ذم الله تعالى من لم يعظمه حق عظمته ولا عرفه حق معرفته ولا وصفه حق صفته وأقوالهم تدور على هذا فقال تعالى : (ما لكم لا ترجون لله وقارا) (مدارج السالكين)

خطر الكلمة فى الإسلام للكلمة شأن عظيم فى دين الله فكلمة التوحيد لو قالها مشرك معتقد لمعناها دخل فى الإسلام بها ،ولزمه العمل بقتضاها فى حياته بعد ذلك ،والكلمة قد يكتب للعبد بها أجر عظيم أو وزر كبير ففى الحديث (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما كان يَظُنُّ أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها رضوانه إلي يوم يلقاه ، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله له بها سخطه إلي يوم يلقاه) (أخرجه الإمام أحمد والترمذي والنسائي)
والكلمة قد تكون سبب حبوط عمل الإنسان ففى الحديث قال " قال رسول الله:قال رجل والله لا يغفر الله لفلان فقال الله عز وجل : من ذا الذي يَتَأَلَّى علي أني لا أغفر لفلان ؟ قد غفرت له وأحبطت عملك "(رواه مسلم)
والكلمة قد تكون سببا فى دخوله النار ففى الحديث قال رسول الله (وهل يُكَبُّ الناس في النار علي وجوهم أو علي مناخرهم يوم القيامة إلا حصائد ألسنتهم )(أخرجه الإمام أحمد والترمذي)
والكلمة قد تكون سببا فى كفره وخروجه من الدين قال تعالى {وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ }

وكفر الاستهزاء هو:
--------------------
انتقاص أوسب شيئ من مقدسات الدين أو شعائره كانتقاص الله أو رسله أوشرعه ،وهو من أعظم أنواع الكفر.

حكم المستهزئ بالدين أنه كافر ثبت كفره بالقرآن والإجماع

الأدلة من القرآن على كفر المستهزئ
__________________________

1- قوله تعالى { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66) }نزلت هذه الآيات فى غزوة تبوك حين ( قال رجل من المنافقين: ما أرى قُرّاءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطونا، وأكذبنا ألسنة، وأجبننا عند اللقاء. فرُفع ذلك إلى رسول الله ، فجاء إلى رسول الله وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب. فقال: { أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون } إلى قوله: { مجرمين } وإن رجليه لتنسفان الحجارة وما يلتفت إليه رسول الله ، وهو متعلق بنسعة رسول الله صلى الله عليه وسلم.)(تفسير ابن كثير)

2- قوله تعالى (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ )
(سأل أنسا بعض من كان عنده عن زيد بن أرقم، فقال: هو الذي يقول له رسول الله: "أوفى الله له بأذنه" . وذاك حين سمع رجلا من المنافقين يقول -ورسول الله يخطب -: لئن كان هذا صادقا فنحن شر من الحمير، فقال زيد بن أرقم: فهو والله صادق، ولأنت شر من الحمار. ثم رُفع ذلك إلى رسول الله، فجحده القائل، فأنزل الله هذه الآية تصديقا لزيد -يعني قوله: { يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا } الآية.رواه البخاري في صحيحه) (تفسير ابن كثير )

الدليل من الإجماع على كفر المستهزىء
_____________________________

1- يقول الإمام إسحاق بن راهويه [ أجمع المسلمون على أن من سب رسوله الله أو دفع شيئا مما أنزل الله عز و جل أو قتل نبيا من أنبياء الله عز و جل : أنه كافر بذلك و إن كان مقرا بكل ما أنزل الله )(الصارم المسلول)
2- يقول ابن تيمية (فإن كان مسلما وجب قتله بالإجماع لأنه بذلك كافر مرتد وأسوأ من الكافر فإن الكافر يعظم الرب ويعتقد أن ما هو عليه من الدين الباطل ليس باستهزاء بالله ولا مسبة له.) (الصارم المسلول)
ويقول عثمان بن كنانة فى بيان عظم هذه الفعلة الشنيعة : (من شتم النبي من المسلمين قتل أو صلب حياً و لم يستتب و الإمام مخير في صلبه حياً أو قتله) .(الشفا)
.
وقال محمد بن سحنون: (أجمع العلماء على أن شاتم النبي صلى الله عليه وآله وسلم المنتقص له؛ كافر، والوعيد جار عليه بعذاب الله، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه؛ كفر).

وقال ابن المنذر: (أجمع عوام أهل العلم على أنَّ من سب النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ القتل).

قال القاضي عياض: (ولا نعلم خلافاً على استباحة دمه - يعني ساب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - بين علماء الأمصار وسلف الأمة، وقد ذكر غير واحد الإجماع على قتله وتفكيره).

وقال تقي الدين السبكي: (أمَّا ساب النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ فالإجماع منعقدٌ على أنَّه كفر، والاستهزاء به كفر).

وقال شيخ الإسلام ابن تيميه: (إنَّ سب الله أو سب رسوله؛ كفر، ظاهراً وباطناً، وسواءٌ كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلاً له، أو كان ذاهلاً عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين؛ بأنَّ الإيمان قول وعمل).

وقال أيضاً: (وقد اتفقت نصوص العلماء من جميع الطوائف؛ على أن التنقص له صلى الله عليه وآله وسلم؛ كفرٌ، مُبيح للدم).


ولذا وجب على المسلم عدم الجلوس مع المستهزئين حال استهزائهم وإلا صار منهم قال تعالى (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) النساء

الاستهزاء بالرسل والموحدين دأب الكفار دائما
________________________________

قال تعالى{ يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (30)} [يس: 30]

{ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36) }

وصور الاستهزاء اليوم كثيرة أعظمها سب الدين ولعنه الذى نسمعه كثيرا على ألسنة سفهاء المشركين ،كذلك انتقاص الشريعة ووصفها بالرجعية ووصف حدودها بالوحشية وبعدم الصلاحية لهذا الزمان كذلك الاستهانة بشىء من مظاهر الاسلام كالاستهانة بحجاب المرأة أو بلحية الرجل وهو ما نراه كثيرا فى وسائل الاعلام على ألسنة علية القوم ومفكريهم ، ولو لم يكن للقوم كفر إلا هذا لكفى {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ } [آل عمران: 181]

Comments

Popular posts from this blog

لا يجوز التحاكم للطاغوت تحت أى مسوغ :

شبهة :((من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما))

تبصرة عقلاء العصر بأن ( مرسي ) طاغوت مصر