الوسطية في القرآن بيان لمعنى قوله تعالى {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}
الوسطية في القرآن
بيان لمعنى قوله تعالى
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}
لفضيلة الشيخ
أبي المنذر الشنقيطي
حفظه الله
الوسطية في القرآن
بيان لمعنى قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}
المقدمة :
الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين .
وبعد :
يستخدم دعاة الوسطية كثيرا في أدبياتهم وخطاباتهم قوله تعالى { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } [البقرة : 143] من أجل الدعوة إلى ما يروجون له من منهج وسطي زاعمين بأن الآية تتحدث عن هذا المنهج الذي يدندنون حوله !
وعند التأمل في معنى الآية وتفسيرها الصحيح الثابت يتضح أن ذلك الاستشهاد ما هو إلا ليّ لأعناق النصوص وتحريف للقرآن عن مواضعه واتخاذه مسوغا للأهواء النفسية .
وبيان ذلك أن الآية الكريمة تتحدث عن عدالة هذه الأمة وخيريتها وأهليتها للشهادة على الناس يوم القيامة ولا علاقة لها بوسطية الإسلام في المنهج إلا من حيث الاشتراك اللفظي .
ولتوضيح هذا الأمر لابد من التطرق إلى معنى الآية ومعرفة سياقها الموضوعي ومدلولها الشرعي وما ورد فيها من تفسيرات .
وقبل ذلك أتوقف عند مقدمتين:
إحداهما لبيان المنهج العلمي لدراسة التفسير .
والثانية لبيان معاني كلمة الوسط .
مقدمة في بيان المنهج العلمي لدراسة التفسير
إن بحثنا في تفسير القرآن الكريم يعني أننا نسأل عن مراد الله تعالى في كتابه العزيز .
لهذا فلا بد من سلوك منهج علمي للتعامل مع ما تزخر به التفاسير من آراء واجتهادات وآثار وروايات بحيث يقدم المقطوع به على المظنون والمظنون على المشكوك والراجح على المرجوح ويقدم الثابت بالنص على الوارد بالرأي والمنقول بسند صحيح على المنقول بسند ضعيف والمرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم على الموقوف على الصحابة وهذا الأخير على المنسوب للتابعين .
ومن المؤسف أن الكثير من طلبة العلم يتحرّى الدقة في بحثه في مسائل الأحكام فلا يقبل إلا الصحيح المرفوع الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يستسيغ معارضته بغيره ولكنه لا يفعل الشيء نفسه إذا تعلق الأمر بالتفسير بل يقبل منه الغث والسمين ويساوي بين الأثر والرأي والمرفوع وغير المرفوع .
لهذا ينبغي للباحث في التفسير أن يرتب أنواع التفسيرات حسب الصحة والثبوت ويقدم الأهم فالأهم وذلك كما يلي :
أولا : النظر في سنة النبي صلي الله عليه وسلم .
ولا شك أن أعلم الناس بمراد الله تعالى هو النبي صلى الله عليه وسلم الذي جاء بهذا القرآن من عند الله تعالى وكلفه الله بتبليغه .
وتفسير النبي صلى الله عليه وسلم يجب الوقوف عنده وعدم تخطيه أو النقص منه أو الزيادة عليه؛ لأن الله تعالى يقول في محكم كتابه : {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم}فدلت هذه الآية على أن تفسير النبي صلى الله عليه وسلم بيان لمراد الله تعالى في كتابه العزيز .
إضافة إلى أن قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تجوز معارضته بقول آخر لقوله تعالى: {يايها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله}.
وتفسير النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن يعارض بشيء وإنما ينظر فقط في صحة ثبوت الحديث عنه وطبيعة دلالته من كونها صريحة أو غير صريحة .
ثانيا : تفسير الصحابة رضي الله عنهم .
الصحابة هم أعلم الناس بكتاب الله بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ تلقوا تفسير هذا القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم مشافهة وعاصروا نزوله فعرفوا أسباب النزول وموارد التأويل .
ومع أنهم غير معصومين فهم أولى بالظن بإصابة الحق من غيرهم لأن الله تعالى وفقهم للخير واصطفاهم لصحبة نبيه وقد كان بعضهم يجتهد فيوافق الوحي كما حدث في موافقات عمر رضي الله عنه وكما حدث في قصة قضاء ابن مسعود التي أوردها ابن حجر في بلوغ المرام فقال :
عن علقمة عن ابن مسعود – رضي الله عنه – أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقا ولم يدخل بها حتى مات فقال ابن مسعود : لها مثل صداق نسائها لا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال : قضى رسول الله صلى الله عليه و سلم في بروع بنت واشق امرأة منا مثل ما قضيت ‘ ففرح بها ابن مسعود . رواه أحمد والأربعة وصححه الترمذي والجماعة .
فتفسير الصحابة لا ينبغي أن يرد إلا بدليل معتبر من الشرع يدل على عدم صحته .
واجتهاداتهم أولى من اجتهادات غيرهم من جهتين :
- أنهم أعلم من غيرهم وأدرى بالشرع لما اختصوا به من صحبة النبي صلى الله عليه وسلم ومباشرة التلقي عنه .
- أن اجتهاداتهم قد تحتمل الرفع خلافا لغيرهم .
أما أن يقدّم على تفسير الصحابة تفسير التابعين أو من بعدهم فهذا تأخير لما قدمه الله تعالى .
ثالثا : تفسير التابعين
وبعد النظر في تفسير الصحابة ينظر في تفسير تلاميذهم من التابعين لأنهم أقرب الناس إلى العهد النبوي وأعلم الناس بعلم الصحابة وما نقلوه عن النبي صلى الله عليه وسلم وهم حلقة الوصل بين القرون الثلاثة التى زكاها النبي صلى الله عليه وسلم.
رابعا : أقوال المفسرين
وبعد النظر في أقوال التابعين وتفسيراتهم ينظر في أقوال بقية المفسرين ويميز فيها بين الراجح والمرجوح .
هذا كله بالنسبة للنظر في التفاسير وترتيبها حسب الأهمية .
أما بالنسبة لمعرفة التفاسير التي هي حجة في نفسها ولا يجوز العدول عنها إلى غيرها فهي ثلاثة :
1- القرآن الكريم :
إذا وردت آية مجملة في موضع من كتاب الله وورد معناها مفصلا في موضع آخر تعين حملها على هذا المعنى المفصل .
2- السنة النبوية :
فإذا ورد تفسير آية من كتاب الله عن النبي صلى الله عليه وجب المصير إلى هذا التفسير ولم يجز العدول عنه .
3- الإجماع :
إذا انعقد الإجماع على تفسير آية لم يجز العدول عنه لما علم من حجية الاجماع وأهم الاجماعات في هذا الأمر إجماع الصحابة والتابعين .
***
ومن المهم في مجال التفسير ألا يغفل الباحث عن الشاهد من الكتاب والسنة للآية التي يريد تفسيرها فتطابق أحد التفسيرات مع آية أخرى أو حديث شريف قد يدل على أرجحية هذا التفسير لأن القرآن يفسر بعضه بعضا وفيه طرق للمعاني بأساليب مختلفة متنوعة وتكرار لها كأجود ما يكون التكرار حتى يفهم الناس ويعوا المقال قال الله تعالى: { اللَّهُ نزلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ } .
قال ابن كثير :
(قال مجاهد: يعني القرآن كله متشابه مثاني.
وقال قتادة: الآية تشبه الآية، والحرف يشبه الحرف.
وقال الضحاك: { مَثَانِيَ } ترديد القول ليفهموا عن ربهم عز وجل.
وقال عكرمة، والحسن: ثنَّى الله فيه القضاء -زاد الحسن: تكون السورة فيها آية، وفي السورة الأخرى آية تشبهها). تفسير ابن كثير - (7 / 93)
فمن أراد البحث في تفسير آية فلا ينبغي أن يغفل عن البحث عن الشاهد لها من الكتاب والسنة فذلك معين على فهم مراد الله تعالى في كتابه العزيز .
وقد أبدع الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمة الله عليه في هذا المجال في كتابه القيم أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن فأجاد وأفاد .
مقدمة في بيان معاني لفظ "الوسط"
ذكر علماء اللغة لكلمة "الوسط" عدة معان نجملها فيما يلي :
1- الوسط نقيض الطرف
قال مرتضى الزَّبيدي:
(قال الشيخ أبو محمد بن بري رحمه الله تعالى : اعلم أن الوسط بالتحريك : اسم لما بين طرفي الشيء وهو منه كقولك : قبضت وسط الحبل وكسرت وسط الرمح وجلست وسط الدار ومنه المثل : يرتقي وسطا ويربض حَجْرَةً أي يرتع أوسط المرعى وخياره مادام القوم في خير فإذا أصابهم شر اعتزلهم وربض حَجْرَةً أي ناحية منعزلا عنهم ‘ وجاء الوسط محركا أوسطه على وزان نقيضه في المعنى وهو الطرف لأن نقيض الشيء يتنزل منزلة نظيره في كثير من الأوزان نحو :جوعان وشبعان ‘ وطويل وقصير) .تاج العروس - (1 / 5033)
وقال ايضا :
(وقال اللَّيْثُ : وَاسِطُ الكُورِ ووَاسِطَتُه : ما بين القادمة والآخرة .
وأنشد لطرفة :
وإِنْ شِئْتُ سَامَى وَاسِطُ الكُورِ رَأْسُها وعَامَتْ بِضَبْعَيْهَا نَجَاءَ الخفيدد). تاج العروس- (1 / 5038)
وقال الصاحب بن عباد :
(ووَسَطَ فلان جَمَاعَةَ الناسِ فهو يَسِطُهم: إذا صارَ في وَسَطِهم.
ومنه سُمَيَ واسِطَةُ الرحْلِ لأنَه وَسَطٌ بين القادِمَةِ والآخِرَةِ، وكذلك واسِطَةُ القِلادَة). المحيط في اللغة - (2 / 269)
قال ابن منظور :
( وسط ) وسَطُ الشيء ما بين طرَفَيْه قال
إِذا رَحَلْتُ فاجْعلُوني وَسَطا إِنِّي كَبِير لا أُطِيق العُنّدا
أَي اجعلوني وسطاً لكم تَرفُقُون بي وتحفظونني فإِني أَخاف إِذا كنت وحدي مُتقدِّماً لكم أَو متأَخّراً عنكم أَن تَفْرُط دابتي أَو ناقتي فتصْرَعَني. [لسان العرب - (7 / 426)]
2- الوَسَط يعني الأفْضَل :
قال مرتضى الزَّبيدي:
- وَاسِطَةُ القِلادَةِ : الدُّرَّةُ الَّتِي في وَسَطِها وهي أَنْفَسُ خَرَزِهَا
- رَجُلٌ وَسِيطٌ أَي حَسِيبٌ في قَوْمِهِ
- وَسَاطَةُ الدَّنانِيرِ : خِيَارُهَا . [تاج العروس - (1 / 5038)]
وقال الأزهري :
(وقيل في صفة النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان أوسط قومه: أي من خيارهم. والعرب تصف الفاضل النَّسَبِ بأنه من أوسط قومه، وهذا يعرف حقيقته أهل اللغة، لأن العرب تستعمل التمثيل كثيراً، فتُمثل القبيلة بالوادي، والقاع، وما أشبهه، فخير الوادي وسطه، فيقال: هذا من وسط قومه، ومن وسط الوادي، وسرر الوادي، وسرارته، وسره، ومعناه كله من خير مكان فيه، فكذلك النبي صلى الله عليه وسلم من خير مكان في نسب العرب، وكذلك جُعلت أُمته أمة وسطاً، أي خياراً). [تهذيب اللغة - (4 / 306)]
3- الوسط المعتدل في الصفة :
قال أحمد بن محمد بن على الفيومي (ت: 770هـ) :
(الوسط بالتحريك المعتدل يقال شيء وسط أي بين الجيد والرديء وعبد وسط وأمة وسط وشيء أوسط وللمؤنث وسطى بمعناه .
وفي التنزيل : {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أهليكم} أي من وسط بمعنى المتوسط ‘ واليوم الأوسط والليلة الوسطى) . [المصباح المنير في غريب الشرح الكبير - (10 / 340)]
4- الوسط يعنى الشدة والتمكن
قال ابن جني :
قالوا : الطرف لأن طَرَف الشئ أضعف من قلبه وأوسطه قال الله سبحانه {أولم يَرَوْا أنا نأتي الأرض نَنْقُصها مِن أطرافِها} وقال الطائيّ الكبير :
( كانت هي الوسطَ الممنوعَ فاستَلَبت ... ما حولها الخيُل حتى أصبحت طَرَفا ) [الخصائص - (2 / 166)]
وقال ابن منظور :
(وسَط الدابة للركوب خير من طرفيها لتمكن الراكب ولهذا قال الراجز إِذا ركِبْتُ فاجْعلاني وسَطا ومنه الحديث خِيارُ الأُمور أَوْساطُها ومنه قوله تعالى ومن الناسِ مَن يَعبد اللّهَ على حرْف أَي على شَكّ فهو على طرَف من دِينه غيرُ مُتوسّط فيه ولا مُتمكِّن ) لسان العرب - (7 / 426).
وقال النسفي في تفسيره :
(وقيل : للخيار وسط لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل والأوساط محمية) [تفسير النسفي - (1 / 80)] .
وهناك معان واشتقاقات أخرى ترجع كلها إلى المعانى التي ذكرنا .
وهذا يدل على أن لفظ "الوسط" من الألفاظ المشتركة فحيثما ورد وجب البحث في القرائن والدلائل التي ترجح حمله على أحد المعاني .
تفسير قوله تعالى
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}
ونبدأ في ذكر ما ورد من تفسير للآية متبعين – إن شاء الله المنهجية التي ذكرنا .
أولا : تفسير النبي صلى الله عليه وسلم
تفسير الوسطية في الآية بالعدالة ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية أبي سعيد وأبي هريرة بالمنطوق ومن رواية جابر بن عبد الله بالمفهوم.
وهذا بيان ذلك :
1- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم:
( يُدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلّغت؟ فيقول: نعم، فيُقال لأمَّته: هل بَلَّغَكُم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمَّته، فيشهدون أنَّه قد بلَّغ، ويكون الرّسول عليكم شهيدًا. فذلك قوله - جلَّ ذكره - :{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} . والوسط: العدل ).
رواه البخاري والترمذي وأحمد وابن أبي حاتم في تفسيره
وفي رواية أحمد : (قال: الوسط: العدل، فتدعون، فتشهدون له بالبلاغ، ثم أشهد عليكم).
2- وروى ابن جرير في تفسيره عن أبي هريرة فقال :
2168- حدثني على بن عيسى قال : حدثنا سعيد بن سليمان، عن حفص بن غياث، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله:"جعلناكم أمَّة وسطًا" قال، عدولا.
3- وروى ابن جرير أيضا عن حبان بن أبي جبلة مرسلا :
2176- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن رِشْد بن سعد قال، أخبرنا ابن أنعم المعافري، عن حبان بن أبي جبلة، يسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم:"وكذلك جعلناكم أمةً وَسَطًا" قال، الوسطُ العدل.
وحبان مقل له مراسيل؛ ومن مراسيله :
- كل أحد أحق بماله من والده وولده والناس أجمعين
- أُدْخِلْتُ الجنةَ فوجدتُ أكثرَ أهلها ذرية المؤمنين والفقراء ووجدتُ أقلَّ أهلِها النساءَ والأغنياءَ
روى عن عبد الله بن عمروا بن العاص وابن عباس .ولم يرو عن أبي سعيد وأبي هريرة اللذين عليهما مدار هذا الحديث ‘فلعل الساقط من إسناده ابن عباس الذي كان يقول بهذا التفسير.
4- وروى الحاكم في المستدرك :
3061 - عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : كنت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم صلى الله عليه و سلم في جنازة فينا في بني سلمة و أن أمشي إلى جنب رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال رجل : نعم المرء ما علمنا إن كان لعفيفا مسلما إن كان فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أنت الذي تقول قال : يا رسول الله ذاك بدالنا و الله أعلم بالسرائر فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : وجبت قال : و كنا معه في جنازة رجل من بني حارثة أو من بني عبد الأشهل فقال رجل بئس المرء ما علمنا إن كان لفظا غليظا إن كان فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أنت الذي تقول قال : يا رسول الله الله أعلم بالسرائر فأما الذي بدا لنا منه فذاك فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : وجبت ثم تلا رسول الله صلى الله عليه و سلم {و كذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس و يكون الرسول عليكم شهيدا}
هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه إنما اتفقا على وجبت فقط
الشاهد لهذا التفسير من القرآن :
يشهد لهذا المعنى الوارد في الأحاديث السابقة قوله تعالى : {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ }[آل عمران : 110].
يقول العلامة محمد الأمين الشنقيطي :
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} الآية، أي: خيارا عدولا. ويدل لأن الوسط الخيار العدول. قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - (1 / 45)
ويشهد للتفسير المذكور أيضا قوله تعالى :
{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ }[الحج : 78]
يقول العلامة الشنقيطي أيضا :
قوله تعالى: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ} .أي اصطفاكم، واختاركم يا أمة محمد. ومعنى هذه الآية أوضحه بقوله {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران:110]. [أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - (5 / 300)]
ومحل الشاهد أنه تعالى قرن الاجتباء في هذه الآية بالشهادة على الناس فكان في هذا الاجتباء معنى العدالة .
الشاهد لهذا التفسير من السنة :
روى الطبراني في المعجم الكبير :
1023 - حدثنا المقدام بن داود ثنا أسد بن موسى ثنا عدي بن الفضل عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال : سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول : ( أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله عز و جل )‘ المعجم الكبير - (19 / 422).
* * *
ثانيا :إجماع الصحابة والتابعين .
لقد أجمع كل من تكلم في معنى الآية من الصحابة والتابعين على متابعة التفسير المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم وفسروا الوسطية في الآية بالعدالة ‘ ولا يعرف لهم مخالف في عصرهم .
وإذا كان إحداث قول ثالث في المسألة بعد اختلاف الصحابة فيها على قولين لا يجوز فكيف بإحداث قول ثان بعد اتفاقهم على قول واحد ؟!
وهذه أقوال الصحابة والتابعين في المسألة :
**أما بالنسبة للصحابة : فقد أوردنا سابقا روايات أبي سعيد وأبي هريرة وجابر ..
وهي دالة على تبنيهم لهذا القول لأنهم رووه عن النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أقصى درجات التبني .
ونزيد عليها قول ابن عباس الذي رواه ابن جرير في تفسيره فقال :
2175- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"وكذلك جعلناكم أمة وَسَطًا"، يقول: جعلكم أمةً عُدولا.
أقول : ولا يعلم لهؤلاء الصحابة مخالف لهم من طبقتهم؛ وهذا يعني أن في الأمر إجماعا من طرف الصحابة على هذا التفسير .
ولهذا فقد اتفق التابعون من بعدهم على متابعتهم في هذا التفسير وهذه أقوالهم نوردها كما ذكرها ابن جرير في تفسيره باختصار حيث قال رحمه الله :
ذكر من قال:"الوسطُ" العدلُ.
- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد:"وكذلك جَعلناكم أمة وسَطًا" قال، عدولا.
- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل:"وكذلك جَعلناكم أمة وسَطًا" قال، عدولا.
- حدثنا المثنى قال، حدثنا حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"أمة وسَطًا" قال، عُدولا.
- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"أمة وسَطًا" قال، عدولا.
- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"أمة وسَطًا" قال، عدولا.
- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء ومجاهد وعبد الله بن كثير:"أمة وَسَطًا"، قالوا: عُدولا. قال مجاهد: عَدْلا. [تفسير الطبري - (3 / 141)]
* * *
ثالثا القرينة في الآية :
إن الوصف بالوسطية في الآية ورد معللا بالاصطفاء للشهادة وفي ذلك قرينة واضحة على أن المراد بالوسطية العدالة والخيرية التي هي شرط للشهادة .
وبهذا تعلم أن العلة في كون الأمة وسطا هو أهليتها للشهادة على الناس يوم القيامة لقوله تعالى : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة : 143].
خلافا لقول ابن القيم رحمة الله عليه :
(وقد جعل الله سبحانه هذه الأمة وسطا وهي الخيار العدل لتوسطها بين الطرفين المذمومين والعدل هو الوسط بين طرفى الجور والتفريط )[ إغاثة اللهفان - (1 / 182)].
وتفسيره للوسط بأنه بين طرفي الجور والتفريط فيه نظر لأن الجور لا يقابله إلا العدل .
ولقد تكرر هذا التعليل مرة ثانية في كتاب الله فعندما أخبر تعالى بأنه اجتبى هذه الأمة في قوله :{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ }علل ذلك بقوله :{ لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ }[الحج : 78].
فتضافر هذان الدليلان على أن العلة في عدالة الأمة واصطفائها هي أهليتها للشهادة على الناس يوم القيامة .
إن العلاقة بين عدالة الأمة ووسطية منهجها ليست علاقة العلة بالمعلول أو اللازم بالملزوم ..
وإنما هي علاقة مناسبة كما قال ابن كثير :
«ولَمَّا جعل الله هذه الأمة وَسَطاً خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب كما قال ـ تعالى ـ: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [الحج: 78] ».
فليست وسطية المنهج الإسلامي هي العلة في عدالة الأمة وخيريتها .
* * *
رابعا أقوال المفسرين :
وكما أن هذا التفسير الذي ذكرنا هو الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين فهو أيضا ثابت عن جمهور المفسرين ومعظمهم ولم يخالف في ذلك منهم إلا من شذ .
وهذه أقوال المفسرين نعرضها لتوضيح ذلك :
1- الثعالبي :
{ وكذلك جعلناكم }، أيْ؛ كما هديناكم إلى قبلة إبراهيم وشريعته، و { جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً }، أي : عدولاً؛ روي ذلك عن رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم ؛ وتظاهَرَتْ به عباراتُ المفسِّرين، والوَسَط : الخيارُ والأعلى من الشيء، وواسطة القلادةِ أنفَسُ حَجَر فيها؛ ومنه قوله تعالى : { قَالَ أَوْسَطُهُمْ } [ القلم : 28 ] . [تفسير الثعالبي - (1 / 76)]
2- ابن عطية :
و { وسطاً } معناه عدولاً، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتظاهرت به عبارة المفسرين، والوسط الخيار والأعلى من الشيء .[المحرر الوجيز - (1 / 164)]
3- ابن كثير :
وقوله تعالى:{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } يقول تعالى: إنما حَوّلناكم إلى قبلة إبراهيم، عليه السلام، واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأمم، لتكونوا يوم القيامة شُهَداء على الأمم؛ لأن الجميع معترفون لكم بالفضل. والوسط هاهنا: الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسطُ العرب نسباً وداراً، أي: خيرها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطا في قومه، أي: أشرفهم نسبا، ومنه الصلاة الوسطى، التي هي أفضل الصلوات، وهي العصر، كما ثبت في الصحاح وغيرها، [تفسير ابن كثير - (1 / 454)]
4- البغوي :
{وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} أي عدلا خيارا قال الله تعالى: "قال أوسطهم" أي خيرهم وأعدلهم وخير الأشياء أوسطها، [تفسير البغوي - (1 / 158)]
5- القاسمي :
{ وَكَذَلِكَ } أي : كما هديناكم إلى قبلة هي أوسط القِبل وأفضلها : { جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً } أي : عدولاً، خياراً، [محاسن التأويل (تفسير القاسمي) ].
6- ابن جزي :
{ جعلناكم أُمَّةً وَسَطاً } أي خياراً { شُهَدَآءَ عَلَى الناس } أي تشهدون يوم القيامة بإبلاغ الرسل إلى قومهم .[التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي - (1 / 72)]
وقال :
{ قَالَ أَوْسَطُهُمْ } أي خيرهم وأفضلهم ومنه : أمة وسطاً، أي خياراً [التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي - (1 / 2442)]
7- مقاتل :
{ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ }، يعنى من أعدل ما تطعمون { أَهْلِيكُمْ } من الشبع، نظيرها فى البقرة : { جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً } [ البقرة : 143 ]، يعنى عدلاً، قال سبحانه فى ن : { قَالَ أَوْسَطُهُمْ }، يعنى أعدلهم، يقول : ليس بأدنى ما تأكلون ولا بأفضله . [تفسير مقاتل - (1 / 416)]
8- الواحدي :
{ وكذلك } أي : وكما هديناكم صراطاً مستقيماً { جعلناكم أمة وسطاً } عدولاً خياراً [الوجيز للواحدي - (1 / 38)]
9- ابن أبي زمنين :
قوله تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا أي عدلا يعني أمه محمد وهذا تفسير قتادة قال محمد وأنشد بعضهم هم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم يعني بوسط عدلا خيارا [تفسير ابن أبى زمنين - (1 / 36)]
10- أبو الليث نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي :
قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا } والوسط هو العدل، كما قال تعالى في آية أخرى : { قال أوسطهم } [ القلم : 28 ]، أي أخيرهم وأعدلهم . والعرب تقول : فلان من أوسط قومه، أي خيارهم وأعدلهم، ومنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : هو أوسط قريش حسباً . أي جعلناكم عدلاً للخلائق . [بحر العلوم - (1 / 125)]
11- البيضاوي :
{ وكذلك } إشارة إلى مفهوم الآية المتقدمة، أي كما جعلناكم مهديين إلى الصراط المستقيم، أو جعلنا قبلتكم أفضل القبل . { جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا } أي خياراً، أو عدولاً مزكين بالعلم والعمل . [تفسير البيضاوي - (1 / 180)]
12- ابن القيم :
فأخبر أنه جعلهم عدولا خيارا ونوه بذكرهم قبل أن يوجدهم لما سبق في علمه من اتخاذه لهم شهداء يشهدون على الأمم يوم القيامة . [التفسير القيم لابن القيم - (1 / 311)]
13- الشيخ محمد الأمين الشنقيطي
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} الآية، أي: خيارا عدولا. ويدل لأن الوسط الخيار العدول. قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [3/110]، وذلك معروف في كلام العرب ومنه قول زهير:
هم وسط يرضى الأنام لحكمهم ... إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم
[أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - (1 / 45)].
14- القرطبي :
قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} المعنى: وكما أن الكعبة وسط الأرض كذلك جعلناكم أمة وسطا، أي جعلناكم دون الأنبياء وفوق الأمم. والوسط: العدل، وأصل هذا أن أحمد الأشياء أوسطها.
ووسط الوادي: خير موضع فيه وأكثره كلأ وماء........
وفلان من أوسط قومه، وإنه لواسطة قومه، ووسط قومه، أي من خيارهم وأهل الحسب منهم. وقد وسط وساطة وسطة، وليس من الوسط الذي بين شيئين في شيء.. [تفسير القرطبي - (2 / 153)].
15- ابن جرير الطبري :
وأما"الوسَط"، فإنه في كلام العرب الخيارُ. يقال منه:"فلان وَسَطُ الحسب في قومه"، أي متوسط الحسب، إذا أرادوا بذلك الرفع في حسبه، و"هو وَسَطٌ في قومه، وواسطٌ"،
كما يقال:"شاة يابِسةُ اللبن ويَبَسةُ اللبن"، وكما قال جل ثناؤه: ( فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا ) [سورة طه: 77]، وقال زُهير بن أبي سُلمى في"الوسط":
هُمُ وَسَطٌ تَرْضَى الأنامُ بِحُكْمِهِمْ... إذَا نزلَتْ إحْدَى الليَالِي بِمُعْظَمِ
وأما التأويل، فإنه جاء بأن"الوسط" العدلُ. وذلك معنى الخيار، لأن الخيارَ من الناس عُدولهم. [تفسير الطبري - (3 / 141)].
***
خامسا أقوال اللغويين:
1- الزمخشري :
(وقوم وسطٌ وأوساط: خيار. {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً } . وقال زهير:
هم وسط يرضى الأنام بحكمهم ... إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم). [أساس البلاغة - (2 / 16)].
2- الجوهري :
(والوَسَطُ من كلِّ شيء: أعدَلُهُ. قال تعالى: " وكذلكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً " أي عدلاً). [الصحاح في اللغة - (2 / 278)].
3- الصاغاني :
(الوَسَط من كل شيءٍ: أعدَلُه. وقوله تعالى: {وكذلك جَعَلْناكم أمَّةً وَسَطاً} أي عدلا خياراً).[العباب الزاخر - (1 / 330)].
4- محمد بن يعقوب الفيروزآبادي :
(الوَسَطُ محركةً من كلّ شيء : أعْدَلُهُ وكذلك جَعَلْناكم أمةً وسَطاً أي : عَدْلاً خِياراً ). [القاموس المحيط - (1 / 893)].
5- ابن سيده :
(قوله تعالى وكذلك جَعَلْناكُمْ أمَّةَ وَسَطا - أي خِيَاراً، ). [المخصص ـ لابن سيده - (1 / 369)].
6- أبو البقاء الكفومى :
({ أُمَّة وسَطا } أي عدلاً). [كتاب الكليات ـ لأبى البقاء الكفومى - (1 / 1523)].
7- أبو هلال العسكري :
(والوسط يقتضي إعتدال الاطراف إليه ولهذا قيل الوسط العدل في قوله تعالى " وكذلك جعلناكم أمة وسطا "). [معجم الفروق اللغوية للعسكري - (1 / 390)].
8- ابن فارس :
(وأعْدلُ الشَّيءِ: أوسَطُه ووَسَطُه. قال الله عزّ وجلَّ: {أُمَّةً وَسَطاً} [البقرة 143].
أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا). [معجم مقاييس اللغة لابن فارس - (6 / 108)]
9- ابن منظور :
وكذلك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من خير مكان في نسَب العرب وكذلك جُعِلتْ أُمّته أُمة وسَطاً أَي خِياراً. [لسان العرب - (7 / 426)]
****
ومن المهم التنبيه إلى أن بعض المفسرين الذين تحدثوا عن الوسطية بمعنى التوسط بين الإفراط والتفريط عند تفسير هذه الآية إنما ذكروا ذلك من باب المناسبة والتوسع لا من باب أنه هو المقصود في الآية .
وفرق كبير بين الحديث عن الوسطية بين الإفراط والتفريط استطرادا واستئناسا وتنبيها على العلاقة بين الخيرية والتوسط وبين الزعم بأن الآية تتحدث عن الوسطية بمعنى الإفراط والتفريط .
ولهذا فقد ذكر القرطبي أن المراد بالوسطية في الآية الخيرية والعدالة في كلامه السابق ثم عقب فقال : (ولما كان الوسط مجانبا للغلو والتقصير كان محمودا، أي هذه الأمة لم تغل غلو النصارى في أنبيائهم، ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم. وفي الحديث: "خير الأمور أوسطها" . وفيه عن على رضي الله عنه: "عليكم بالنمط الأوسط، فإليه ينزل العالي، وإليه يرتفع النازل").
وكلامه واضح في كونه يتحدث عن المناسبة بين الوسطية بمعنى الخيرية والعدالة والوسطية بمعنى التوسط بين الإفراط والتفريط .
ولم يرد أن المعنيين مقصودان في الآية بدليل أنه قال : (وليس من الوسط الذي بين شيئين في شيء).
وهكذا أيضا فعل ابن عطية حين تكلم عن هذه الآية فذكر تفسيرها بمعنى العدالة والخيرية ثم قال بعد ذلك :
قال بعض العلماء : أمة محمد صلى الله عليه وسلم لم تغل في الدين كما فعلت اليهود، ولا افترت كالنصارى، فهي متوسطة، فهي أعلاها وخيرها من هذه الجهة، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : « خير الأمور أوساطها » أي خيارها، وقد يكون العلو والخير في الشيء لما (يعلم) بأنه أنفس جنسه، وأما أن يكون بين الإفراط والتقصير فهو خيار من هذه الجهة .[ المحرر الوجيز - (1 / 164)] . وقد زدت كلمة يعلم بين قوسين ليتضح المعنى .
أقوال ضعيفة
وهناك من المفسرين من صرح بأن المراد بالوسط في الآية التوسط بين الإفراط والتفريط أو بين مناهج الكفر مخالفين بذلك ما ذكرنا من أدلة وقول لجمهور المفسرين واللغويين وممن ذهب إلى هذا القول الضعيف :
1- الكلبي :
فقد قال البغوي في تفسيره :
وقال الكلبي يعني أهل دين وسط بين الغلو والتقصير لأنهما مذمومان في الدين. [تفسير البغوي - (1 / 158)]
2- النسفي :
قال في تفسيره :
{ أُمَّةً وَسَطًا } خياراً . وقيل : للخيار وسط لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل والأوساط محمية أي كما جعلت قبلتكم خير القبل جعلتكم خير الأمم، أو عدولاً لأن الوسط عدل بين الأطراف ليس إلى بعضها أقرب من بعض . أي كما جعلنا قبلتكم متوسطة بين المشرق والمغرب جعلناكم أمة وسطاً بين الغلو والتقصير فإنكم لم تغلوا غلو النصارى حيث وصفوا المسيح بالألوهية، ولم تقصروا تقصير اليهود حيث وصفوا مريم بالزنا وعيسى بأنه ولد الزنا. [تفسير النسفي - (1 / 80)].
3- ابن جرير
قال في تفسيره : (وأنا أرى أن"الوسط" في هذا الموضع، هو"الوسط" الذي بمعنى: الجزءُ الذي هو بين الطرفين، مثل"وسَط الدار" محرَّك الوَسط مثقَّله، غيرَ جائز في"سينه" التخفيف.
وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم"وسَط"، لتوسطهم في الدين، فلا هُم أهل غُلوٍّ فيه، غلوَّ النصارى الذين غلوا بالترهب، وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه - ولا هُم أهلُ تقصير فيه، تقصيرَ اليهود الذين بدَّلوا كتابَ الله، وقتلوا أنبياءَهم، وكذبوا على ربهم، وكفروا به؛ ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه. فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحبَّ الأمور إلى الله أوْسطُها).
وهذا عجيب من ابن جرير رحمه الله !!
إذ كيف يذهب إلى هذا الرأي وهو الذي نقل التفسير الثابت للآية في تفسيره وقد ذكرنا قوله .
منشأ الالتباس :
نبه البيضاوي في تفسيره على سبب هذا الاتباس في مدلول الآية عند من أخطأ من المفسرين حيث بين العلاقة بين اشتقاق لفظ "الوسط" ومراحل استعماله فقال :
وهو في الأصل اسم للمكان الذي تستوي إليه المساحة من الجوانب، ثم استعير للخصال المحمودة لوقوعها بين طرفي إفراط وتفريط، كالجود بين الإسراف والبخل، والشجاعة بين التهور والجبن، ثم أطلق على المتصف بها [تفسير البيضاوي - (1 / 180)].
وهذا يعني أن الوسط حيثما ورد فهو يحتمل أحد المدلولات الثلاث والقرائن والأدلة هي التى ترجح أحد هذه الاحتمالات .
أما محاولة ترجيح أحد الاحتمالات بلا مرجح فهو تحكم بلا دليل .
وإن زعم مجادل بأنه لا مانع من إرادة هذه الاحتمالات في وقت واحد بحجة أن المشترك يطلق على معنييه معا مجازا ‘ فنقول : هذا مردود بترجيح الأدلة الشرعية التي أسلفنا لأحد الاحتمالات .
وقد ساوى الماوردي في تفسيره بين قول الجمهور وهذا القول الأخير الضعيف فقال :
الماوردي :
قوله تعالى : { وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً } . فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : يعني خياراً، من قولهم فلان وسط الحَسَبِ في قومه، إذا أرادوا بذلك الرفيع في حسبه، ومنه قول زهير :
هُمْ وَسَطٌ يَرْضَى الإلهُ بِحُكْمِهِمْ إذَا نَزَلَت إِحْدَى اللَّيالي بِمُعَظَّمِ
والثاني : أن الوسط من التوسط في الأمور، لأن المسلمين تَوَسَّطُوا في الدين، فلا هم أهل غلوٍّ فيه، ولا هم أهل تقصير فيه، كاليهود الذين بدَّلوا كتاب الله وقتَّلوا أنبياءهم وكَذَبوا على ربهم، فوصفهم الله تعالى بأنهم وسط، لأن أحب الأمور إليه أوسطها .
والثالث : يريد بالوسط : عدلاً، لأن العدل وسط بين الزيادة والنقصان، وقد روى أبو سعيد الخدري، عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في قوله تعالى : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمَّةً وَسَطاً ) أي عَدْلاً .
وقد علمت بأن المعول في تفسير هذه الآية على تفسير النبي صلى الله عليه وسلم وإجماع الصحابة والتابعين وهو قول جمهور المفسرين .
وبهذا تعلم بأنه لا عبرة بالخلاف الذي ذكر الماوردي لأن الأدلة الشرعية قاضية على هذا الخلاف كما قال في المراقي :
وإن يجي الدليل للخلاف فقدمنّه بلا خلاف
تنبيه: الماوردي في كلامه السابق جعل تفسير الوسط بالخير والعدل قولين مختلفين والحقيقة أنهما ليسا إلا قولا واحدا كما قال ابن منظور :
وفي التنزيل العزيز وكذلك جَعَلْناكم أُمّة وسَطاً قال الزجاج فيه قولان قال بعضهم وسَطاً عَدْلاً وقال بعضهم خِياراً واللفظان مختلفان والمعنى واحد لأَن العَدْل خَيْر والخير عَدْلٌ [لسان العرب - (7 / 426)].
وقال الأزهري :
قال أبو إسحاق في قوله: {أُمة وَسَطاً} قولان: قال بعضهم: وسطاً عدلا. وقال بعضهم: خياراً، واللفظان مختلفان والمعنى واحد، لأن العدل خير: والخير عدل [تهذيب اللغة - (4 / 306)].
***
دليل الوسطية في المنهج
قال تعالى {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [الأنعام : 153]
هذه الآية الكريمة هي التي تتحدث عن الوسطية في المنهج وقد أخبر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية بأن منهجه وصراطه مستقيم لا عوج فيه ولا التواء ولا التباس بينه وبين طرق الباطل .
وبين النبي صلى الله عليه وسلم في تفسيره لهذه الآية بأن هذا الصراط المستقيم وسط بين طرق الضلالة ومناهج الانحراف .
تفسير النبي صلى الله عليه وسلم للآية :
ورد في عدة أحاديث مرفوعة للنبي صلي الله عليه وسلم ما يفسر هذه الآية من كون دين الله تعالى وسطا بين طرق الضلال :
1- عن بن مسعود قال : خط رسول الله صلى الله عليه و سلم خطا و خط عن يمين ذلك الخط و عن شماله خطا ثم قال : هذا صراط ربك مستقيما و هذه السبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ : { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله }
قال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه
قال الذهبي في التلخيص : صحيح
رواه الحاكم في مستدركه وابن حبان في صحيحه والنسائي في سننه الكبرى وأحمد والدارمي كلهم عن : حماد بن زيد عن عاصم ابن أبي النجود عن أبي وائل عن بن مسعود.
ورواه الحاكم والنسائي في سننه الكبري عن أبي بكر بن عياش عن عاصم عن زر عن عبد الله .
2- عن جابر ابن عبد الله قال :
كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطا هكذا أمامه فقال هذا سبيل الله عز وجل وخطين عن يمينه وخطين عن شماله قال هذه سبيل الشيطان ثم وضع يده في الخط الأسود ثم تلا هذه الآية ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون )
رواه أحمد و ابن ماجه وعبد بن حميد في مسنده كلهم عن أبي خالد الأحمر عن مجالد عن الشعبي عن جابر .
3- عن النّواس بن سمعان :
رضي الله عنه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم « ضرب الله مثلا صراطًا مستقيمًا، وعلى كَنَفي الصّراط سوران فيهما أبواب مفتَّحة، وعلى الأبواب ستور مُرخاة، وعلى الصّراط داعٍ يدعو يقول: يا أيّها النَّاس اسلكوا الصّراط جميعًا، ولا تعوجّوا، وداع يدعو على الصّراط، فإذا أراد أحدكم فتح شيء من تلك الأبواب قال: ويلك لا تفتحه فإنَّك إن تفتحه تلجه، فالصراط: الإسلام، والسّتور حدود الله، والأبواب المفتَّحة محارم الله، والداعي الذي على رأس الصّراط كتاب الله، والدّاعي من فوقه واعظ الله يذكر في قلب كل مسلم »
قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط مسلم و لا أعرف له علة و لم يخرجاه .
قال الذهبي في التلخيص : على شرط مسلم ولا علة له.
رواه الحاكم في المستدرك واحمد في المسند والرامهرمزي في أمثال الحديث والقاسم بن سلام في فضائل القرآن كلهم عن معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن النواس بن سمعان .
ورواه الطبراني في مسند الشاميين من رواية خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن النواس بن سمعان .
وجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم مثل للإسلام فجعله صراطا وجعل أبواب الشر والمعصية أبوابا مفتحة على جنبيه وهو يتوسطها .
تفسير الصحابة
1- ابن مسعود :
قال ابن جرير في تفسيره :
14170- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أبان: أن رجلا قال لابن مسعود: ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا محمد صلى الله عليه وسلم في أدناه، وطرفُه في الجنة، وعن يمينه جوادُّ، وعن يساره جَوَادُّ، وثمَّ رجال يدعون من مرّ بهم. فمن أخذ في تلك الجوادِّ انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة . ثم قرأ ابن مسعود: (وأن هذا صراطي مستقيمًا)، الآية .
وقد رواه عبد الرزاق في تفسيره عن أبان بن أبي عياش أن رجلا سأل ابن مسعود ما الصراط ؟
وصرح ابن الوضاح في البدع بأن الرجل السائل هو ابن عمر فقال :
- نا أسد قال : نا إسماعيل بن عياش، عن أبان بن أبي عياش، عن مسلم بن أبي عمران الأشعري، أن عبد الله بن عمر أتى عبد الله بن مسعود وهو قائم يقص على أصحابه فقال يا أبا عبد الرحمن ما الصراط المستقيم ؟ ثم ساق الأثر.
2- ابن عباس :
14167- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)، يقول: لا تتبعوا الضلالات .
أقوال التابعين
1- مجاهد :
14163- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)، قال: البدع والشبهات .
عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم
14169- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:(وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)، قال:"سبيله"، الإسلام، و"صراطه"، الإسلام . نهاهم أن يتبعوا السبل سواه =(فتفرق بكم عن سبيله)، عن الإسلام.
أقوال المفسرين :
قال القرطبي :
قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ} هذه آية عظيمة عطفها على ما تقدم؛ فإنه لما نهى وأمر حذر هنا عن اتباع غير سبيله، فأمر فيها باتباع طريقه على ما نبينه بالأحاديث الصحيحة وأقاويل السلف. ...... والصراط: الطريق الذي هو دين الإسلام. {مُسْتَقِيماً} نصب على الحال، ومعناه مستويا قويما لا اعوجاج فيه. فأمر باتباع طريقه الذي طرقه على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وشرعه ونهايته الجنة. وتشعبت منه طرق فمن سلك الجادة نجا، ومن خرج إلى تلك الطرق أفضت به إلى النار. قال الله تعالى: {وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} أي تميل.
وهذه السبل تعم اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر أهل الملل وأهل البدع والضلالات من أهل الأهواء والشذوذ في الفروع، وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام. هذه كلها عرضة للزلل، ومظنة لسوء المعتقد؛ قاله ابن عطية.
وقال عبدالله بن مسعود: تعلموا العلم قبل أن يقبض، وقبضه أن يذهب أهله، ألا وإياكم والتنطع والتعمق والبدع، وعليكم بالعتيق. أخرجه الدارمي.
وقال مجاهد في قوله: {وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} قال: البدع. قال ابن شهاب: وهذا كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً} [الأنعام: 159] الآية. فالهرب الهرب، والنجاة النجاة! والتمسك بالطريق المستقيم والسنن القويم، الذي سلكه السلف الصالح، وفيه المتجر الرابح. [تفسير القرطبي - (7 / 137)]
قال البيضاوى :
{ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل } الأديان المختلفة أو الطرق التابعة للهوى، فإن مقتضى الحجة واحد ومقتضى الهوى متعدد لاختلاف الطبائع والعادات . { فَتَفَرَّقَ بِكُمْ } فتفرقكم وتزيلكم . { عَن سَبِيلِهِ } الذي هو اتباع الوحي واقتفاء البرهان . { ذلكم } الاتباع . { وصاكم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } الضلال والتفرق عن الحق .[تفسير البيضاوي - (2 / 221)]
قال البغوي :
{ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ } أي: الطرق المختلفة التي عدا هذا الطريق، مثل اليهودية والنصرانية وسائر الملل، وقيل: الأهواء والبدع، { فَتَفَرَّقَ } فتميل، { بِكُمْ } وتشتت، { عَنْ سَبِيلِهِ } عن طريقه ودينه الذي ارتضى، وبه أوصى، [تفسير البغوي - (3 / 205)].
قال أبو السعود :
{ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل } الأديانَ المختلفةَ أو طرقَ البدع والضلالات { فَتَفَرَّقَ بِكُمْ } بحذف إحدى التاءين، والباء للتعدية أي فتفرِّقَكم حسَبَ تفرُّقِها أياديَ سبا فهو كما ترى أبلغُ من تفرقكم كما قيل من أن ذهَبَ به لما فيه من الدلالة على الاستصحاب أبلغُ من أذهبه { عَن سَبِيلِهِ } أي سبيل الله الذي لا عِوَجَ فيه ولا حرج، وهو دين الإسلام الذي ذُكر بعضُ أحكامه وقيل : هو اتباعُ الوحي واقتفاءُ البرهان، وفيه تنبيهٌ على أن صراطَه عليه الصلاة والسلام عينُ سبيل الله تعالى .[تفسير أبي السعود - (2 / 450)].
قال ابن عطية :
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه : وهذه الآية تعلم أهل الأهواء والبدع والشذوذ في الفروع وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام هذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوء المعتقد . [المحرر الوجيز - (2 / 495)].
قال العلامة السعدي :
{ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا } أي: هذه الأحكام وما أشبهها، مما بينه الله في كتابه، ووضحه لعباده، صراط الله الموصل إليه، وإلى دار كرامته، المعتدل السهل المختصر.
{ فَاتَّبِعُوهُ } لتنالوا الفوز والفلاح، وتدركوا الآمال والأفراح. { وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ } أي: الطرق المخالفة لهذا الطريق { فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ } أي: تضلكم عنه وتفرقكم يمينا وشمالا فإذا ضللتم عن الصراط المستقيم، فليس ثم إلا طرق توصل إلى الجحيم.[تفسير السعدي - (1 / 280)]
أقول : فمن عمل بهذه الآية فقد اتبع المنهج الوسطي الذي أمر الله باتباعه .
فعلى كل من يريد الدعوة إلى الوسطية الشرعية أن يحرص على الاستدلال بهذه الآية وان يجعلها شعارا له وأن يأمر الناس باتباعها والعمل بها .
اســــــــــــــــتـنـتـــاج
ما تقدم من تفسير مرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم وأقوال مأثورة عن الصحابة والتابعين واختيارات للمفسرين يدل بما لا يدع مجالا للشك أن المراد بالوسط في قوله تعالى {وكذلك جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً } أي خيارا عدولا .
وموضوع الآية هو الثناء على الأمة وليس موضوعها بيان منهج الأمة فهي تماما مثل قوله تعالى {كنتم خير أمة أخرجت للناس} كما ذكر العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمة الله عليه .
إن الوسطية بمعنى التوسط بين الإفراط والتفريط مسألة تتعلق بصفة منهج الإسلام نفسه لا بصفة المسلمين .
فلا بد من التفريق بين كون الأمة وسطا وبين كون الإسلام وسطا ..فهما أمران منفصلان لا يجمع بينهما إلا المناسبة ..
فوسطية الإسلام شيء ووسطية الأمة شيء آخر .
والوسطية بمعنى الخيرية شيء والوسطية بمنى التوسط بين الإفراط والتفريط شيء آخر .
فالخلط بين هذه المعاني والمسميات تلبيس على الناس .
إن قوله تعالى {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} ورد في سياق الحديث عن خيرية هذه الأمة والثناء عليها ..
ولم يرد في سياق الحديث عن المنهج الإسلامي وتميزه عن مناهج الضلال الأخرى .
والذين يريدون توسيع دلالة الآية لتشمل الوسطية في المنهج بين الإفراط والتفريط إنما يبحثون عن مسوغ من كتاب الله تعالى لترويج مصطلح الوسطية الذي جعلوه شعار منهجهم وهم بذلك يفعلون كما فعل الشيعة عندما لم يجدوا اسم على ابن أبي طالب مذكورا في القرآن فزعموا بأنه ورد في قوله تعالى {وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم } وقد سمعت بنفسي أحدهم يقول هذا الكلام في بعض خطب الحسينيات .
إن القضية لا تعني أكثر من توارد في اللفظ وليس لها علاقة بالتوافق في المعنى .
لكن أصحاب الأهواء الشخصية والمبادئ الانتهازية لا يمكن أن تفوتهم فرصة هذا التوارد اللفظي دون أن يغتنموها حتى وإن أدى ذلك إلى التلاعب بالمعنى الذي قصدت إليه الآية الكريمة والذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم .
هناك فرق بين منهج أهل السنة ومنهج أهل البدعة في الاستدلال فأهل السنة يبحثون في الأدلة ثم يعتقدون ما دلت عليه الأدلة .
وأهل البدعة يعتقدون ثم يبحثون في النصوص الشرعية عن مسوغات لاعتقادهم .
وهذا هو ما فعله أصحاب المنهج الوسطي مع قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}.
ولهذا نراهم دائما يصطادون في المياه الع
بيان لمعنى قوله تعالى
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}
لفضيلة الشيخ
أبي المنذر الشنقيطي
حفظه الله
الوسطية في القرآن
بيان لمعنى قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}
المقدمة :
الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين .
وبعد :
يستخدم دعاة الوسطية كثيرا في أدبياتهم وخطاباتهم قوله تعالى { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } [البقرة : 143] من أجل الدعوة إلى ما يروجون له من منهج وسطي زاعمين بأن الآية تتحدث عن هذا المنهج الذي يدندنون حوله !
وعند التأمل في معنى الآية وتفسيرها الصحيح الثابت يتضح أن ذلك الاستشهاد ما هو إلا ليّ لأعناق النصوص وتحريف للقرآن عن مواضعه واتخاذه مسوغا للأهواء النفسية .
وبيان ذلك أن الآية الكريمة تتحدث عن عدالة هذه الأمة وخيريتها وأهليتها للشهادة على الناس يوم القيامة ولا علاقة لها بوسطية الإسلام في المنهج إلا من حيث الاشتراك اللفظي .
ولتوضيح هذا الأمر لابد من التطرق إلى معنى الآية ومعرفة سياقها الموضوعي ومدلولها الشرعي وما ورد فيها من تفسيرات .
وقبل ذلك أتوقف عند مقدمتين:
إحداهما لبيان المنهج العلمي لدراسة التفسير .
والثانية لبيان معاني كلمة الوسط .
مقدمة في بيان المنهج العلمي لدراسة التفسير
إن بحثنا في تفسير القرآن الكريم يعني أننا نسأل عن مراد الله تعالى في كتابه العزيز .
لهذا فلا بد من سلوك منهج علمي للتعامل مع ما تزخر به التفاسير من آراء واجتهادات وآثار وروايات بحيث يقدم المقطوع به على المظنون والمظنون على المشكوك والراجح على المرجوح ويقدم الثابت بالنص على الوارد بالرأي والمنقول بسند صحيح على المنقول بسند ضعيف والمرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم على الموقوف على الصحابة وهذا الأخير على المنسوب للتابعين .
ومن المؤسف أن الكثير من طلبة العلم يتحرّى الدقة في بحثه في مسائل الأحكام فلا يقبل إلا الصحيح المرفوع الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يستسيغ معارضته بغيره ولكنه لا يفعل الشيء نفسه إذا تعلق الأمر بالتفسير بل يقبل منه الغث والسمين ويساوي بين الأثر والرأي والمرفوع وغير المرفوع .
لهذا ينبغي للباحث في التفسير أن يرتب أنواع التفسيرات حسب الصحة والثبوت ويقدم الأهم فالأهم وذلك كما يلي :
أولا : النظر في سنة النبي صلي الله عليه وسلم .
ولا شك أن أعلم الناس بمراد الله تعالى هو النبي صلى الله عليه وسلم الذي جاء بهذا القرآن من عند الله تعالى وكلفه الله بتبليغه .
وتفسير النبي صلى الله عليه وسلم يجب الوقوف عنده وعدم تخطيه أو النقص منه أو الزيادة عليه؛ لأن الله تعالى يقول في محكم كتابه : {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم}فدلت هذه الآية على أن تفسير النبي صلى الله عليه وسلم بيان لمراد الله تعالى في كتابه العزيز .
إضافة إلى أن قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تجوز معارضته بقول آخر لقوله تعالى: {يايها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله}.
وتفسير النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز أن يعارض بشيء وإنما ينظر فقط في صحة ثبوت الحديث عنه وطبيعة دلالته من كونها صريحة أو غير صريحة .
ثانيا : تفسير الصحابة رضي الله عنهم .
الصحابة هم أعلم الناس بكتاب الله بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ تلقوا تفسير هذا القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم مشافهة وعاصروا نزوله فعرفوا أسباب النزول وموارد التأويل .
ومع أنهم غير معصومين فهم أولى بالظن بإصابة الحق من غيرهم لأن الله تعالى وفقهم للخير واصطفاهم لصحبة نبيه وقد كان بعضهم يجتهد فيوافق الوحي كما حدث في موافقات عمر رضي الله عنه وكما حدث في قصة قضاء ابن مسعود التي أوردها ابن حجر في بلوغ المرام فقال :
عن علقمة عن ابن مسعود – رضي الله عنه – أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقا ولم يدخل بها حتى مات فقال ابن مسعود : لها مثل صداق نسائها لا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال : قضى رسول الله صلى الله عليه و سلم في بروع بنت واشق امرأة منا مثل ما قضيت ‘ ففرح بها ابن مسعود . رواه أحمد والأربعة وصححه الترمذي والجماعة .
فتفسير الصحابة لا ينبغي أن يرد إلا بدليل معتبر من الشرع يدل على عدم صحته .
واجتهاداتهم أولى من اجتهادات غيرهم من جهتين :
- أنهم أعلم من غيرهم وأدرى بالشرع لما اختصوا به من صحبة النبي صلى الله عليه وسلم ومباشرة التلقي عنه .
- أن اجتهاداتهم قد تحتمل الرفع خلافا لغيرهم .
أما أن يقدّم على تفسير الصحابة تفسير التابعين أو من بعدهم فهذا تأخير لما قدمه الله تعالى .
ثالثا : تفسير التابعين
وبعد النظر في تفسير الصحابة ينظر في تفسير تلاميذهم من التابعين لأنهم أقرب الناس إلى العهد النبوي وأعلم الناس بعلم الصحابة وما نقلوه عن النبي صلى الله عليه وسلم وهم حلقة الوصل بين القرون الثلاثة التى زكاها النبي صلى الله عليه وسلم.
رابعا : أقوال المفسرين
وبعد النظر في أقوال التابعين وتفسيراتهم ينظر في أقوال بقية المفسرين ويميز فيها بين الراجح والمرجوح .
هذا كله بالنسبة للنظر في التفاسير وترتيبها حسب الأهمية .
أما بالنسبة لمعرفة التفاسير التي هي حجة في نفسها ولا يجوز العدول عنها إلى غيرها فهي ثلاثة :
1- القرآن الكريم :
إذا وردت آية مجملة في موضع من كتاب الله وورد معناها مفصلا في موضع آخر تعين حملها على هذا المعنى المفصل .
2- السنة النبوية :
فإذا ورد تفسير آية من كتاب الله عن النبي صلى الله عليه وجب المصير إلى هذا التفسير ولم يجز العدول عنه .
3- الإجماع :
إذا انعقد الإجماع على تفسير آية لم يجز العدول عنه لما علم من حجية الاجماع وأهم الاجماعات في هذا الأمر إجماع الصحابة والتابعين .
***
ومن المهم في مجال التفسير ألا يغفل الباحث عن الشاهد من الكتاب والسنة للآية التي يريد تفسيرها فتطابق أحد التفسيرات مع آية أخرى أو حديث شريف قد يدل على أرجحية هذا التفسير لأن القرآن يفسر بعضه بعضا وفيه طرق للمعاني بأساليب مختلفة متنوعة وتكرار لها كأجود ما يكون التكرار حتى يفهم الناس ويعوا المقال قال الله تعالى: { اللَّهُ نزلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ } .
قال ابن كثير :
(قال مجاهد: يعني القرآن كله متشابه مثاني.
وقال قتادة: الآية تشبه الآية، والحرف يشبه الحرف.
وقال الضحاك: { مَثَانِيَ } ترديد القول ليفهموا عن ربهم عز وجل.
وقال عكرمة، والحسن: ثنَّى الله فيه القضاء -زاد الحسن: تكون السورة فيها آية، وفي السورة الأخرى آية تشبهها). تفسير ابن كثير - (7 / 93)
فمن أراد البحث في تفسير آية فلا ينبغي أن يغفل عن البحث عن الشاهد لها من الكتاب والسنة فذلك معين على فهم مراد الله تعالى في كتابه العزيز .
وقد أبدع الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمة الله عليه في هذا المجال في كتابه القيم أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن فأجاد وأفاد .
مقدمة في بيان معاني لفظ "الوسط"
ذكر علماء اللغة لكلمة "الوسط" عدة معان نجملها فيما يلي :
1- الوسط نقيض الطرف
قال مرتضى الزَّبيدي:
(قال الشيخ أبو محمد بن بري رحمه الله تعالى : اعلم أن الوسط بالتحريك : اسم لما بين طرفي الشيء وهو منه كقولك : قبضت وسط الحبل وكسرت وسط الرمح وجلست وسط الدار ومنه المثل : يرتقي وسطا ويربض حَجْرَةً أي يرتع أوسط المرعى وخياره مادام القوم في خير فإذا أصابهم شر اعتزلهم وربض حَجْرَةً أي ناحية منعزلا عنهم ‘ وجاء الوسط محركا أوسطه على وزان نقيضه في المعنى وهو الطرف لأن نقيض الشيء يتنزل منزلة نظيره في كثير من الأوزان نحو :جوعان وشبعان ‘ وطويل وقصير) .تاج العروس - (1 / 5033)
وقال ايضا :
(وقال اللَّيْثُ : وَاسِطُ الكُورِ ووَاسِطَتُه : ما بين القادمة والآخرة .
وأنشد لطرفة :
وإِنْ شِئْتُ سَامَى وَاسِطُ الكُورِ رَأْسُها وعَامَتْ بِضَبْعَيْهَا نَجَاءَ الخفيدد). تاج العروس- (1 / 5038)
وقال الصاحب بن عباد :
(ووَسَطَ فلان جَمَاعَةَ الناسِ فهو يَسِطُهم: إذا صارَ في وَسَطِهم.
ومنه سُمَيَ واسِطَةُ الرحْلِ لأنَه وَسَطٌ بين القادِمَةِ والآخِرَةِ، وكذلك واسِطَةُ القِلادَة). المحيط في اللغة - (2 / 269)
قال ابن منظور :
( وسط ) وسَطُ الشيء ما بين طرَفَيْه قال
إِذا رَحَلْتُ فاجْعلُوني وَسَطا إِنِّي كَبِير لا أُطِيق العُنّدا
أَي اجعلوني وسطاً لكم تَرفُقُون بي وتحفظونني فإِني أَخاف إِذا كنت وحدي مُتقدِّماً لكم أَو متأَخّراً عنكم أَن تَفْرُط دابتي أَو ناقتي فتصْرَعَني. [لسان العرب - (7 / 426)]
2- الوَسَط يعني الأفْضَل :
قال مرتضى الزَّبيدي:
- وَاسِطَةُ القِلادَةِ : الدُّرَّةُ الَّتِي في وَسَطِها وهي أَنْفَسُ خَرَزِهَا
- رَجُلٌ وَسِيطٌ أَي حَسِيبٌ في قَوْمِهِ
- وَسَاطَةُ الدَّنانِيرِ : خِيَارُهَا . [تاج العروس - (1 / 5038)]
وقال الأزهري :
(وقيل في صفة النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان أوسط قومه: أي من خيارهم. والعرب تصف الفاضل النَّسَبِ بأنه من أوسط قومه، وهذا يعرف حقيقته أهل اللغة، لأن العرب تستعمل التمثيل كثيراً، فتُمثل القبيلة بالوادي، والقاع، وما أشبهه، فخير الوادي وسطه، فيقال: هذا من وسط قومه، ومن وسط الوادي، وسرر الوادي، وسرارته، وسره، ومعناه كله من خير مكان فيه، فكذلك النبي صلى الله عليه وسلم من خير مكان في نسب العرب، وكذلك جُعلت أُمته أمة وسطاً، أي خياراً). [تهذيب اللغة - (4 / 306)]
3- الوسط المعتدل في الصفة :
قال أحمد بن محمد بن على الفيومي (ت: 770هـ) :
(الوسط بالتحريك المعتدل يقال شيء وسط أي بين الجيد والرديء وعبد وسط وأمة وسط وشيء أوسط وللمؤنث وسطى بمعناه .
وفي التنزيل : {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أهليكم} أي من وسط بمعنى المتوسط ‘ واليوم الأوسط والليلة الوسطى) . [المصباح المنير في غريب الشرح الكبير - (10 / 340)]
4- الوسط يعنى الشدة والتمكن
قال ابن جني :
قالوا : الطرف لأن طَرَف الشئ أضعف من قلبه وأوسطه قال الله سبحانه {أولم يَرَوْا أنا نأتي الأرض نَنْقُصها مِن أطرافِها} وقال الطائيّ الكبير :
( كانت هي الوسطَ الممنوعَ فاستَلَبت ... ما حولها الخيُل حتى أصبحت طَرَفا ) [الخصائص - (2 / 166)]
وقال ابن منظور :
(وسَط الدابة للركوب خير من طرفيها لتمكن الراكب ولهذا قال الراجز إِذا ركِبْتُ فاجْعلاني وسَطا ومنه الحديث خِيارُ الأُمور أَوْساطُها ومنه قوله تعالى ومن الناسِ مَن يَعبد اللّهَ على حرْف أَي على شَكّ فهو على طرَف من دِينه غيرُ مُتوسّط فيه ولا مُتمكِّن ) لسان العرب - (7 / 426).
وقال النسفي في تفسيره :
(وقيل : للخيار وسط لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل والأوساط محمية) [تفسير النسفي - (1 / 80)] .
وهناك معان واشتقاقات أخرى ترجع كلها إلى المعانى التي ذكرنا .
وهذا يدل على أن لفظ "الوسط" من الألفاظ المشتركة فحيثما ورد وجب البحث في القرائن والدلائل التي ترجح حمله على أحد المعاني .
تفسير قوله تعالى
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}
ونبدأ في ذكر ما ورد من تفسير للآية متبعين – إن شاء الله المنهجية التي ذكرنا .
أولا : تفسير النبي صلى الله عليه وسلم
تفسير الوسطية في الآية بالعدالة ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم من رواية أبي سعيد وأبي هريرة بالمنطوق ومن رواية جابر بن عبد الله بالمفهوم.
وهذا بيان ذلك :
1- عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم:
( يُدعى نوح يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلّغت؟ فيقول: نعم، فيُقال لأمَّته: هل بَلَّغَكُم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمَّته، فيشهدون أنَّه قد بلَّغ، ويكون الرّسول عليكم شهيدًا. فذلك قوله - جلَّ ذكره - :{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} . والوسط: العدل ).
رواه البخاري والترمذي وأحمد وابن أبي حاتم في تفسيره
وفي رواية أحمد : (قال: الوسط: العدل، فتدعون، فتشهدون له بالبلاغ، ثم أشهد عليكم).
2- وروى ابن جرير في تفسيره عن أبي هريرة فقال :
2168- حدثني على بن عيسى قال : حدثنا سعيد بن سليمان، عن حفص بن غياث، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله:"جعلناكم أمَّة وسطًا" قال، عدولا.
3- وروى ابن جرير أيضا عن حبان بن أبي جبلة مرسلا :
2176- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن رِشْد بن سعد قال، أخبرنا ابن أنعم المعافري، عن حبان بن أبي جبلة، يسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم:"وكذلك جعلناكم أمةً وَسَطًا" قال، الوسطُ العدل.
وحبان مقل له مراسيل؛ ومن مراسيله :
- كل أحد أحق بماله من والده وولده والناس أجمعين
- أُدْخِلْتُ الجنةَ فوجدتُ أكثرَ أهلها ذرية المؤمنين والفقراء ووجدتُ أقلَّ أهلِها النساءَ والأغنياءَ
روى عن عبد الله بن عمروا بن العاص وابن عباس .ولم يرو عن أبي سعيد وأبي هريرة اللذين عليهما مدار هذا الحديث ‘فلعل الساقط من إسناده ابن عباس الذي كان يقول بهذا التفسير.
4- وروى الحاكم في المستدرك :
3061 - عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : كنت مع رسول الله صلى الله عليه و سلم صلى الله عليه و سلم في جنازة فينا في بني سلمة و أن أمشي إلى جنب رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال رجل : نعم المرء ما علمنا إن كان لعفيفا مسلما إن كان فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أنت الذي تقول قال : يا رسول الله ذاك بدالنا و الله أعلم بالسرائر فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : وجبت قال : و كنا معه في جنازة رجل من بني حارثة أو من بني عبد الأشهل فقال رجل بئس المرء ما علمنا إن كان لفظا غليظا إن كان فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أنت الذي تقول قال : يا رسول الله الله أعلم بالسرائر فأما الذي بدا لنا منه فذاك فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : وجبت ثم تلا رسول الله صلى الله عليه و سلم {و كذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس و يكون الرسول عليكم شهيدا}
هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه إنما اتفقا على وجبت فقط
الشاهد لهذا التفسير من القرآن :
يشهد لهذا المعنى الوارد في الأحاديث السابقة قوله تعالى : {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ }[آل عمران : 110].
يقول العلامة محمد الأمين الشنقيطي :
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} الآية، أي: خيارا عدولا. ويدل لأن الوسط الخيار العدول. قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - (1 / 45)
ويشهد للتفسير المذكور أيضا قوله تعالى :
{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ }[الحج : 78]
يقول العلامة الشنقيطي أيضا :
قوله تعالى: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ} .أي اصطفاكم، واختاركم يا أمة محمد. ومعنى هذه الآية أوضحه بقوله {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران:110]. [أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - (5 / 300)]
ومحل الشاهد أنه تعالى قرن الاجتباء في هذه الآية بالشهادة على الناس فكان في هذا الاجتباء معنى العدالة .
الشاهد لهذا التفسير من السنة :
روى الطبراني في المعجم الكبير :
1023 - حدثنا المقدام بن داود ثنا أسد بن موسى ثنا عدي بن الفضل عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال : سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول : ( أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله عز و جل )‘ المعجم الكبير - (19 / 422).
* * *
ثانيا :إجماع الصحابة والتابعين .
لقد أجمع كل من تكلم في معنى الآية من الصحابة والتابعين على متابعة التفسير المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم وفسروا الوسطية في الآية بالعدالة ‘ ولا يعرف لهم مخالف في عصرهم .
وإذا كان إحداث قول ثالث في المسألة بعد اختلاف الصحابة فيها على قولين لا يجوز فكيف بإحداث قول ثان بعد اتفاقهم على قول واحد ؟!
وهذه أقوال الصحابة والتابعين في المسألة :
**أما بالنسبة للصحابة : فقد أوردنا سابقا روايات أبي سعيد وأبي هريرة وجابر ..
وهي دالة على تبنيهم لهذا القول لأنهم رووه عن النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أقصى درجات التبني .
ونزيد عليها قول ابن عباس الذي رواه ابن جرير في تفسيره فقال :
2175- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"وكذلك جعلناكم أمة وَسَطًا"، يقول: جعلكم أمةً عُدولا.
أقول : ولا يعلم لهؤلاء الصحابة مخالف لهم من طبقتهم؛ وهذا يعني أن في الأمر إجماعا من طرف الصحابة على هذا التفسير .
ولهذا فقد اتفق التابعون من بعدهم على متابعتهم في هذا التفسير وهذه أقوالهم نوردها كما ذكرها ابن جرير في تفسيره باختصار حيث قال رحمه الله :
ذكر من قال:"الوسطُ" العدلُ.
- حدثنا أبو كريب قال: حدثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد:"وكذلك جَعلناكم أمة وسَطًا" قال، عدولا.
- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل:"وكذلك جَعلناكم أمة وسَطًا" قال، عدولا.
- حدثنا المثنى قال، حدثنا حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"أمة وسَطًا" قال، عُدولا.
- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"أمة وسَطًا" قال، عدولا.
- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"أمة وسَطًا" قال، عدولا.
- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء ومجاهد وعبد الله بن كثير:"أمة وَسَطًا"، قالوا: عُدولا. قال مجاهد: عَدْلا. [تفسير الطبري - (3 / 141)]
* * *
ثالثا القرينة في الآية :
إن الوصف بالوسطية في الآية ورد معللا بالاصطفاء للشهادة وفي ذلك قرينة واضحة على أن المراد بالوسطية العدالة والخيرية التي هي شرط للشهادة .
وبهذا تعلم أن العلة في كون الأمة وسطا هو أهليتها للشهادة على الناس يوم القيامة لقوله تعالى : {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة : 143].
خلافا لقول ابن القيم رحمة الله عليه :
(وقد جعل الله سبحانه هذه الأمة وسطا وهي الخيار العدل لتوسطها بين الطرفين المذمومين والعدل هو الوسط بين طرفى الجور والتفريط )[ إغاثة اللهفان - (1 / 182)].
وتفسيره للوسط بأنه بين طرفي الجور والتفريط فيه نظر لأن الجور لا يقابله إلا العدل .
ولقد تكرر هذا التعليل مرة ثانية في كتاب الله فعندما أخبر تعالى بأنه اجتبى هذه الأمة في قوله :{وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ }علل ذلك بقوله :{ لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ }[الحج : 78].
فتضافر هذان الدليلان على أن العلة في عدالة الأمة واصطفائها هي أهليتها للشهادة على الناس يوم القيامة .
إن العلاقة بين عدالة الأمة ووسطية منهجها ليست علاقة العلة بالمعلول أو اللازم بالملزوم ..
وإنما هي علاقة مناسبة كما قال ابن كثير :
«ولَمَّا جعل الله هذه الأمة وَسَطاً خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب كما قال ـ تعالى ـ: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [الحج: 78] ».
فليست وسطية المنهج الإسلامي هي العلة في عدالة الأمة وخيريتها .
* * *
رابعا أقوال المفسرين :
وكما أن هذا التفسير الذي ذكرنا هو الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين فهو أيضا ثابت عن جمهور المفسرين ومعظمهم ولم يخالف في ذلك منهم إلا من شذ .
وهذه أقوال المفسرين نعرضها لتوضيح ذلك :
1- الثعالبي :
{ وكذلك جعلناكم }، أيْ؛ كما هديناكم إلى قبلة إبراهيم وشريعته، و { جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً }، أي : عدولاً؛ روي ذلك عن رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم ؛ وتظاهَرَتْ به عباراتُ المفسِّرين، والوَسَط : الخيارُ والأعلى من الشيء، وواسطة القلادةِ أنفَسُ حَجَر فيها؛ ومنه قوله تعالى : { قَالَ أَوْسَطُهُمْ } [ القلم : 28 ] . [تفسير الثعالبي - (1 / 76)]
2- ابن عطية :
و { وسطاً } معناه عدولاً، روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتظاهرت به عبارة المفسرين، والوسط الخيار والأعلى من الشيء .[المحرر الوجيز - (1 / 164)]
3- ابن كثير :
وقوله تعالى:{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } يقول تعالى: إنما حَوّلناكم إلى قبلة إبراهيم، عليه السلام، واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأمم، لتكونوا يوم القيامة شُهَداء على الأمم؛ لأن الجميع معترفون لكم بالفضل. والوسط هاهنا: الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسطُ العرب نسباً وداراً، أي: خيرها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطا في قومه، أي: أشرفهم نسبا، ومنه الصلاة الوسطى، التي هي أفضل الصلوات، وهي العصر، كما ثبت في الصحاح وغيرها، [تفسير ابن كثير - (1 / 454)]
4- البغوي :
{وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} أي عدلا خيارا قال الله تعالى: "قال أوسطهم" أي خيرهم وأعدلهم وخير الأشياء أوسطها، [تفسير البغوي - (1 / 158)]
5- القاسمي :
{ وَكَذَلِكَ } أي : كما هديناكم إلى قبلة هي أوسط القِبل وأفضلها : { جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً } أي : عدولاً، خياراً، [محاسن التأويل (تفسير القاسمي) ].
6- ابن جزي :
{ جعلناكم أُمَّةً وَسَطاً } أي خياراً { شُهَدَآءَ عَلَى الناس } أي تشهدون يوم القيامة بإبلاغ الرسل إلى قومهم .[التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي - (1 / 72)]
وقال :
{ قَالَ أَوْسَطُهُمْ } أي خيرهم وأفضلهم ومنه : أمة وسطاً، أي خياراً [التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي - (1 / 2442)]
7- مقاتل :
{ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ }، يعنى من أعدل ما تطعمون { أَهْلِيكُمْ } من الشبع، نظيرها فى البقرة : { جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً } [ البقرة : 143 ]، يعنى عدلاً، قال سبحانه فى ن : { قَالَ أَوْسَطُهُمْ }، يعنى أعدلهم، يقول : ليس بأدنى ما تأكلون ولا بأفضله . [تفسير مقاتل - (1 / 416)]
8- الواحدي :
{ وكذلك } أي : وكما هديناكم صراطاً مستقيماً { جعلناكم أمة وسطاً } عدولاً خياراً [الوجيز للواحدي - (1 / 38)]
9- ابن أبي زمنين :
قوله تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا أي عدلا يعني أمه محمد وهذا تفسير قتادة قال محمد وأنشد بعضهم هم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم يعني بوسط عدلا خيارا [تفسير ابن أبى زمنين - (1 / 36)]
10- أبو الليث نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي :
قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا } والوسط هو العدل، كما قال تعالى في آية أخرى : { قال أوسطهم } [ القلم : 28 ]، أي أخيرهم وأعدلهم . والعرب تقول : فلان من أوسط قومه، أي خيارهم وأعدلهم، ومنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : هو أوسط قريش حسباً . أي جعلناكم عدلاً للخلائق . [بحر العلوم - (1 / 125)]
11- البيضاوي :
{ وكذلك } إشارة إلى مفهوم الآية المتقدمة، أي كما جعلناكم مهديين إلى الصراط المستقيم، أو جعلنا قبلتكم أفضل القبل . { جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا } أي خياراً، أو عدولاً مزكين بالعلم والعمل . [تفسير البيضاوي - (1 / 180)]
12- ابن القيم :
فأخبر أنه جعلهم عدولا خيارا ونوه بذكرهم قبل أن يوجدهم لما سبق في علمه من اتخاذه لهم شهداء يشهدون على الأمم يوم القيامة . [التفسير القيم لابن القيم - (1 / 311)]
13- الشيخ محمد الأمين الشنقيطي
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} الآية، أي: خيارا عدولا. ويدل لأن الوسط الخيار العدول. قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [3/110]، وذلك معروف في كلام العرب ومنه قول زهير:
هم وسط يرضى الأنام لحكمهم ... إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم
[أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - (1 / 45)].
14- القرطبي :
قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} المعنى: وكما أن الكعبة وسط الأرض كذلك جعلناكم أمة وسطا، أي جعلناكم دون الأنبياء وفوق الأمم. والوسط: العدل، وأصل هذا أن أحمد الأشياء أوسطها.
ووسط الوادي: خير موضع فيه وأكثره كلأ وماء........
وفلان من أوسط قومه، وإنه لواسطة قومه، ووسط قومه، أي من خيارهم وأهل الحسب منهم. وقد وسط وساطة وسطة، وليس من الوسط الذي بين شيئين في شيء.. [تفسير القرطبي - (2 / 153)].
15- ابن جرير الطبري :
وأما"الوسَط"، فإنه في كلام العرب الخيارُ. يقال منه:"فلان وَسَطُ الحسب في قومه"، أي متوسط الحسب، إذا أرادوا بذلك الرفع في حسبه، و"هو وَسَطٌ في قومه، وواسطٌ"،
كما يقال:"شاة يابِسةُ اللبن ويَبَسةُ اللبن"، وكما قال جل ثناؤه: ( فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا ) [سورة طه: 77]، وقال زُهير بن أبي سُلمى في"الوسط":
هُمُ وَسَطٌ تَرْضَى الأنامُ بِحُكْمِهِمْ... إذَا نزلَتْ إحْدَى الليَالِي بِمُعْظَمِ
وأما التأويل، فإنه جاء بأن"الوسط" العدلُ. وذلك معنى الخيار، لأن الخيارَ من الناس عُدولهم. [تفسير الطبري - (3 / 141)].
***
خامسا أقوال اللغويين:
1- الزمخشري :
(وقوم وسطٌ وأوساط: خيار. {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً } . وقال زهير:
هم وسط يرضى الأنام بحكمهم ... إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم). [أساس البلاغة - (2 / 16)].
2- الجوهري :
(والوَسَطُ من كلِّ شيء: أعدَلُهُ. قال تعالى: " وكذلكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً " أي عدلاً). [الصحاح في اللغة - (2 / 278)].
3- الصاغاني :
(الوَسَط من كل شيءٍ: أعدَلُه. وقوله تعالى: {وكذلك جَعَلْناكم أمَّةً وَسَطاً} أي عدلا خياراً).[العباب الزاخر - (1 / 330)].
4- محمد بن يعقوب الفيروزآبادي :
(الوَسَطُ محركةً من كلّ شيء : أعْدَلُهُ وكذلك جَعَلْناكم أمةً وسَطاً أي : عَدْلاً خِياراً ). [القاموس المحيط - (1 / 893)].
5- ابن سيده :
(قوله تعالى وكذلك جَعَلْناكُمْ أمَّةَ وَسَطا - أي خِيَاراً، ). [المخصص ـ لابن سيده - (1 / 369)].
6- أبو البقاء الكفومى :
({ أُمَّة وسَطا } أي عدلاً). [كتاب الكليات ـ لأبى البقاء الكفومى - (1 / 1523)].
7- أبو هلال العسكري :
(والوسط يقتضي إعتدال الاطراف إليه ولهذا قيل الوسط العدل في قوله تعالى " وكذلك جعلناكم أمة وسطا "). [معجم الفروق اللغوية للعسكري - (1 / 390)].
8- ابن فارس :
(وأعْدلُ الشَّيءِ: أوسَطُه ووَسَطُه. قال الله عزّ وجلَّ: {أُمَّةً وَسَطاً} [البقرة 143].
أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا). [معجم مقاييس اللغة لابن فارس - (6 / 108)]
9- ابن منظور :
وكذلك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من خير مكان في نسَب العرب وكذلك جُعِلتْ أُمّته أُمة وسَطاً أَي خِياراً. [لسان العرب - (7 / 426)]
****
ومن المهم التنبيه إلى أن بعض المفسرين الذين تحدثوا عن الوسطية بمعنى التوسط بين الإفراط والتفريط عند تفسير هذه الآية إنما ذكروا ذلك من باب المناسبة والتوسع لا من باب أنه هو المقصود في الآية .
وفرق كبير بين الحديث عن الوسطية بين الإفراط والتفريط استطرادا واستئناسا وتنبيها على العلاقة بين الخيرية والتوسط وبين الزعم بأن الآية تتحدث عن الوسطية بمعنى الإفراط والتفريط .
ولهذا فقد ذكر القرطبي أن المراد بالوسطية في الآية الخيرية والعدالة في كلامه السابق ثم عقب فقال : (ولما كان الوسط مجانبا للغلو والتقصير كان محمودا، أي هذه الأمة لم تغل غلو النصارى في أنبيائهم، ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم. وفي الحديث: "خير الأمور أوسطها" . وفيه عن على رضي الله عنه: "عليكم بالنمط الأوسط، فإليه ينزل العالي، وإليه يرتفع النازل").
وكلامه واضح في كونه يتحدث عن المناسبة بين الوسطية بمعنى الخيرية والعدالة والوسطية بمعنى التوسط بين الإفراط والتفريط .
ولم يرد أن المعنيين مقصودان في الآية بدليل أنه قال : (وليس من الوسط الذي بين شيئين في شيء).
وهكذا أيضا فعل ابن عطية حين تكلم عن هذه الآية فذكر تفسيرها بمعنى العدالة والخيرية ثم قال بعد ذلك :
قال بعض العلماء : أمة محمد صلى الله عليه وسلم لم تغل في الدين كما فعلت اليهود، ولا افترت كالنصارى، فهي متوسطة، فهي أعلاها وخيرها من هذه الجهة، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : « خير الأمور أوساطها » أي خيارها، وقد يكون العلو والخير في الشيء لما (يعلم) بأنه أنفس جنسه، وأما أن يكون بين الإفراط والتقصير فهو خيار من هذه الجهة .[ المحرر الوجيز - (1 / 164)] . وقد زدت كلمة يعلم بين قوسين ليتضح المعنى .
أقوال ضعيفة
وهناك من المفسرين من صرح بأن المراد بالوسط في الآية التوسط بين الإفراط والتفريط أو بين مناهج الكفر مخالفين بذلك ما ذكرنا من أدلة وقول لجمهور المفسرين واللغويين وممن ذهب إلى هذا القول الضعيف :
1- الكلبي :
فقد قال البغوي في تفسيره :
وقال الكلبي يعني أهل دين وسط بين الغلو والتقصير لأنهما مذمومان في الدين. [تفسير البغوي - (1 / 158)]
2- النسفي :
قال في تفسيره :
{ أُمَّةً وَسَطًا } خياراً . وقيل : للخيار وسط لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل والأوساط محمية أي كما جعلت قبلتكم خير القبل جعلتكم خير الأمم، أو عدولاً لأن الوسط عدل بين الأطراف ليس إلى بعضها أقرب من بعض . أي كما جعلنا قبلتكم متوسطة بين المشرق والمغرب جعلناكم أمة وسطاً بين الغلو والتقصير فإنكم لم تغلوا غلو النصارى حيث وصفوا المسيح بالألوهية، ولم تقصروا تقصير اليهود حيث وصفوا مريم بالزنا وعيسى بأنه ولد الزنا. [تفسير النسفي - (1 / 80)].
3- ابن جرير
قال في تفسيره : (وأنا أرى أن"الوسط" في هذا الموضع، هو"الوسط" الذي بمعنى: الجزءُ الذي هو بين الطرفين، مثل"وسَط الدار" محرَّك الوَسط مثقَّله، غيرَ جائز في"سينه" التخفيف.
وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم"وسَط"، لتوسطهم في الدين، فلا هُم أهل غُلوٍّ فيه، غلوَّ النصارى الذين غلوا بالترهب، وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه - ولا هُم أهلُ تقصير فيه، تقصيرَ اليهود الذين بدَّلوا كتابَ الله، وقتلوا أنبياءَهم، وكذبوا على ربهم، وكفروا به؛ ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه. فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحبَّ الأمور إلى الله أوْسطُها).
وهذا عجيب من ابن جرير رحمه الله !!
إذ كيف يذهب إلى هذا الرأي وهو الذي نقل التفسير الثابت للآية في تفسيره وقد ذكرنا قوله .
منشأ الالتباس :
نبه البيضاوي في تفسيره على سبب هذا الاتباس في مدلول الآية عند من أخطأ من المفسرين حيث بين العلاقة بين اشتقاق لفظ "الوسط" ومراحل استعماله فقال :
وهو في الأصل اسم للمكان الذي تستوي إليه المساحة من الجوانب، ثم استعير للخصال المحمودة لوقوعها بين طرفي إفراط وتفريط، كالجود بين الإسراف والبخل، والشجاعة بين التهور والجبن، ثم أطلق على المتصف بها [تفسير البيضاوي - (1 / 180)].
وهذا يعني أن الوسط حيثما ورد فهو يحتمل أحد المدلولات الثلاث والقرائن والأدلة هي التى ترجح أحد هذه الاحتمالات .
أما محاولة ترجيح أحد الاحتمالات بلا مرجح فهو تحكم بلا دليل .
وإن زعم مجادل بأنه لا مانع من إرادة هذه الاحتمالات في وقت واحد بحجة أن المشترك يطلق على معنييه معا مجازا ‘ فنقول : هذا مردود بترجيح الأدلة الشرعية التي أسلفنا لأحد الاحتمالات .
وقد ساوى الماوردي في تفسيره بين قول الجمهور وهذا القول الأخير الضعيف فقال :
الماوردي :
قوله تعالى : { وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً } . فيه ثلاثة تأويلات :
أحدها : يعني خياراً، من قولهم فلان وسط الحَسَبِ في قومه، إذا أرادوا بذلك الرفيع في حسبه، ومنه قول زهير :
هُمْ وَسَطٌ يَرْضَى الإلهُ بِحُكْمِهِمْ إذَا نَزَلَت إِحْدَى اللَّيالي بِمُعَظَّمِ
والثاني : أن الوسط من التوسط في الأمور، لأن المسلمين تَوَسَّطُوا في الدين، فلا هم أهل غلوٍّ فيه، ولا هم أهل تقصير فيه، كاليهود الذين بدَّلوا كتاب الله وقتَّلوا أنبياءهم وكَذَبوا على ربهم، فوصفهم الله تعالى بأنهم وسط، لأن أحب الأمور إليه أوسطها .
والثالث : يريد بالوسط : عدلاً، لأن العدل وسط بين الزيادة والنقصان، وقد روى أبو سعيد الخدري، عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في قوله تعالى : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمَّةً وَسَطاً ) أي عَدْلاً .
وقد علمت بأن المعول في تفسير هذه الآية على تفسير النبي صلى الله عليه وسلم وإجماع الصحابة والتابعين وهو قول جمهور المفسرين .
وبهذا تعلم بأنه لا عبرة بالخلاف الذي ذكر الماوردي لأن الأدلة الشرعية قاضية على هذا الخلاف كما قال في المراقي :
وإن يجي الدليل للخلاف فقدمنّه بلا خلاف
تنبيه: الماوردي في كلامه السابق جعل تفسير الوسط بالخير والعدل قولين مختلفين والحقيقة أنهما ليسا إلا قولا واحدا كما قال ابن منظور :
وفي التنزيل العزيز وكذلك جَعَلْناكم أُمّة وسَطاً قال الزجاج فيه قولان قال بعضهم وسَطاً عَدْلاً وقال بعضهم خِياراً واللفظان مختلفان والمعنى واحد لأَن العَدْل خَيْر والخير عَدْلٌ [لسان العرب - (7 / 426)].
وقال الأزهري :
قال أبو إسحاق في قوله: {أُمة وَسَطاً} قولان: قال بعضهم: وسطاً عدلا. وقال بعضهم: خياراً، واللفظان مختلفان والمعنى واحد، لأن العدل خير: والخير عدل [تهذيب اللغة - (4 / 306)].
***
دليل الوسطية في المنهج
قال تعالى {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [الأنعام : 153]
هذه الآية الكريمة هي التي تتحدث عن الوسطية في المنهج وقد أخبر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية بأن منهجه وصراطه مستقيم لا عوج فيه ولا التواء ولا التباس بينه وبين طرق الباطل .
وبين النبي صلى الله عليه وسلم في تفسيره لهذه الآية بأن هذا الصراط المستقيم وسط بين طرق الضلالة ومناهج الانحراف .
تفسير النبي صلى الله عليه وسلم للآية :
ورد في عدة أحاديث مرفوعة للنبي صلي الله عليه وسلم ما يفسر هذه الآية من كون دين الله تعالى وسطا بين طرق الضلال :
1- عن بن مسعود قال : خط رسول الله صلى الله عليه و سلم خطا و خط عن يمين ذلك الخط و عن شماله خطا ثم قال : هذا صراط ربك مستقيما و هذه السبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ : { وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله }
قال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه
قال الذهبي في التلخيص : صحيح
رواه الحاكم في مستدركه وابن حبان في صحيحه والنسائي في سننه الكبرى وأحمد والدارمي كلهم عن : حماد بن زيد عن عاصم ابن أبي النجود عن أبي وائل عن بن مسعود.
ورواه الحاكم والنسائي في سننه الكبري عن أبي بكر بن عياش عن عاصم عن زر عن عبد الله .
2- عن جابر ابن عبد الله قال :
كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطا هكذا أمامه فقال هذا سبيل الله عز وجل وخطين عن يمينه وخطين عن شماله قال هذه سبيل الشيطان ثم وضع يده في الخط الأسود ثم تلا هذه الآية ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون )
رواه أحمد و ابن ماجه وعبد بن حميد في مسنده كلهم عن أبي خالد الأحمر عن مجالد عن الشعبي عن جابر .
3- عن النّواس بن سمعان :
رضي الله عنه قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم « ضرب الله مثلا صراطًا مستقيمًا، وعلى كَنَفي الصّراط سوران فيهما أبواب مفتَّحة، وعلى الأبواب ستور مُرخاة، وعلى الصّراط داعٍ يدعو يقول: يا أيّها النَّاس اسلكوا الصّراط جميعًا، ولا تعوجّوا، وداع يدعو على الصّراط، فإذا أراد أحدكم فتح شيء من تلك الأبواب قال: ويلك لا تفتحه فإنَّك إن تفتحه تلجه، فالصراط: الإسلام، والسّتور حدود الله، والأبواب المفتَّحة محارم الله، والداعي الذي على رأس الصّراط كتاب الله، والدّاعي من فوقه واعظ الله يذكر في قلب كل مسلم »
قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط مسلم و لا أعرف له علة و لم يخرجاه .
قال الذهبي في التلخيص : على شرط مسلم ولا علة له.
رواه الحاكم في المستدرك واحمد في المسند والرامهرمزي في أمثال الحديث والقاسم بن سلام في فضائل القرآن كلهم عن معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن النواس بن سمعان .
ورواه الطبراني في مسند الشاميين من رواية خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن النواس بن سمعان .
وجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم مثل للإسلام فجعله صراطا وجعل أبواب الشر والمعصية أبوابا مفتحة على جنبيه وهو يتوسطها .
تفسير الصحابة
1- ابن مسعود :
قال ابن جرير في تفسيره :
14170- حدثني محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أبان: أن رجلا قال لابن مسعود: ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا محمد صلى الله عليه وسلم في أدناه، وطرفُه في الجنة، وعن يمينه جوادُّ، وعن يساره جَوَادُّ، وثمَّ رجال يدعون من مرّ بهم. فمن أخذ في تلك الجوادِّ انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة . ثم قرأ ابن مسعود: (وأن هذا صراطي مستقيمًا)، الآية .
وقد رواه عبد الرزاق في تفسيره عن أبان بن أبي عياش أن رجلا سأل ابن مسعود ما الصراط ؟
وصرح ابن الوضاح في البدع بأن الرجل السائل هو ابن عمر فقال :
- نا أسد قال : نا إسماعيل بن عياش، عن أبان بن أبي عياش، عن مسلم بن أبي عمران الأشعري، أن عبد الله بن عمر أتى عبد الله بن مسعود وهو قائم يقص على أصحابه فقال يا أبا عبد الرحمن ما الصراط المستقيم ؟ ثم ساق الأثر.
2- ابن عباس :
14167- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)، يقول: لا تتبعوا الضلالات .
أقوال التابعين
1- مجاهد :
14163- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)، قال: البدع والشبهات .
عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم
14169- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:(وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)، قال:"سبيله"، الإسلام، و"صراطه"، الإسلام . نهاهم أن يتبعوا السبل سواه =(فتفرق بكم عن سبيله)، عن الإسلام.
أقوال المفسرين :
قال القرطبي :
قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ} هذه آية عظيمة عطفها على ما تقدم؛ فإنه لما نهى وأمر حذر هنا عن اتباع غير سبيله، فأمر فيها باتباع طريقه على ما نبينه بالأحاديث الصحيحة وأقاويل السلف. ...... والصراط: الطريق الذي هو دين الإسلام. {مُسْتَقِيماً} نصب على الحال، ومعناه مستويا قويما لا اعوجاج فيه. فأمر باتباع طريقه الذي طرقه على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وشرعه ونهايته الجنة. وتشعبت منه طرق فمن سلك الجادة نجا، ومن خرج إلى تلك الطرق أفضت به إلى النار. قال الله تعالى: {وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} أي تميل.
وهذه السبل تعم اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر أهل الملل وأهل البدع والضلالات من أهل الأهواء والشذوذ في الفروع، وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام. هذه كلها عرضة للزلل، ومظنة لسوء المعتقد؛ قاله ابن عطية.
وقال عبدالله بن مسعود: تعلموا العلم قبل أن يقبض، وقبضه أن يذهب أهله، ألا وإياكم والتنطع والتعمق والبدع، وعليكم بالعتيق. أخرجه الدارمي.
وقال مجاهد في قوله: {وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} قال: البدع. قال ابن شهاب: وهذا كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً} [الأنعام: 159] الآية. فالهرب الهرب، والنجاة النجاة! والتمسك بالطريق المستقيم والسنن القويم، الذي سلكه السلف الصالح، وفيه المتجر الرابح. [تفسير القرطبي - (7 / 137)]
قال البيضاوى :
{ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل } الأديان المختلفة أو الطرق التابعة للهوى، فإن مقتضى الحجة واحد ومقتضى الهوى متعدد لاختلاف الطبائع والعادات . { فَتَفَرَّقَ بِكُمْ } فتفرقكم وتزيلكم . { عَن سَبِيلِهِ } الذي هو اتباع الوحي واقتفاء البرهان . { ذلكم } الاتباع . { وصاكم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } الضلال والتفرق عن الحق .[تفسير البيضاوي - (2 / 221)]
قال البغوي :
{ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ } أي: الطرق المختلفة التي عدا هذا الطريق، مثل اليهودية والنصرانية وسائر الملل، وقيل: الأهواء والبدع، { فَتَفَرَّقَ } فتميل، { بِكُمْ } وتشتت، { عَنْ سَبِيلِهِ } عن طريقه ودينه الذي ارتضى، وبه أوصى، [تفسير البغوي - (3 / 205)].
قال أبو السعود :
{ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل } الأديانَ المختلفةَ أو طرقَ البدع والضلالات { فَتَفَرَّقَ بِكُمْ } بحذف إحدى التاءين، والباء للتعدية أي فتفرِّقَكم حسَبَ تفرُّقِها أياديَ سبا فهو كما ترى أبلغُ من تفرقكم كما قيل من أن ذهَبَ به لما فيه من الدلالة على الاستصحاب أبلغُ من أذهبه { عَن سَبِيلِهِ } أي سبيل الله الذي لا عِوَجَ فيه ولا حرج، وهو دين الإسلام الذي ذُكر بعضُ أحكامه وقيل : هو اتباعُ الوحي واقتفاءُ البرهان، وفيه تنبيهٌ على أن صراطَه عليه الصلاة والسلام عينُ سبيل الله تعالى .[تفسير أبي السعود - (2 / 450)].
قال ابن عطية :
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه : وهذه الآية تعلم أهل الأهواء والبدع والشذوذ في الفروع وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام هذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوء المعتقد . [المحرر الوجيز - (2 / 495)].
قال العلامة السعدي :
{ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا } أي: هذه الأحكام وما أشبهها، مما بينه الله في كتابه، ووضحه لعباده، صراط الله الموصل إليه، وإلى دار كرامته، المعتدل السهل المختصر.
{ فَاتَّبِعُوهُ } لتنالوا الفوز والفلاح، وتدركوا الآمال والأفراح. { وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ } أي: الطرق المخالفة لهذا الطريق { فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ } أي: تضلكم عنه وتفرقكم يمينا وشمالا فإذا ضللتم عن الصراط المستقيم، فليس ثم إلا طرق توصل إلى الجحيم.[تفسير السعدي - (1 / 280)]
أقول : فمن عمل بهذه الآية فقد اتبع المنهج الوسطي الذي أمر الله باتباعه .
فعلى كل من يريد الدعوة إلى الوسطية الشرعية أن يحرص على الاستدلال بهذه الآية وان يجعلها شعارا له وأن يأمر الناس باتباعها والعمل بها .
اســــــــــــــــتـنـتـــاج
ما تقدم من تفسير مرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم وأقوال مأثورة عن الصحابة والتابعين واختيارات للمفسرين يدل بما لا يدع مجالا للشك أن المراد بالوسط في قوله تعالى {وكذلك جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً } أي خيارا عدولا .
وموضوع الآية هو الثناء على الأمة وليس موضوعها بيان منهج الأمة فهي تماما مثل قوله تعالى {كنتم خير أمة أخرجت للناس} كما ذكر العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمة الله عليه .
إن الوسطية بمعنى التوسط بين الإفراط والتفريط مسألة تتعلق بصفة منهج الإسلام نفسه لا بصفة المسلمين .
فلا بد من التفريق بين كون الأمة وسطا وبين كون الإسلام وسطا ..فهما أمران منفصلان لا يجمع بينهما إلا المناسبة ..
فوسطية الإسلام شيء ووسطية الأمة شيء آخر .
والوسطية بمعنى الخيرية شيء والوسطية بمنى التوسط بين الإفراط والتفريط شيء آخر .
فالخلط بين هذه المعاني والمسميات تلبيس على الناس .
إن قوله تعالى {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} ورد في سياق الحديث عن خيرية هذه الأمة والثناء عليها ..
ولم يرد في سياق الحديث عن المنهج الإسلامي وتميزه عن مناهج الضلال الأخرى .
والذين يريدون توسيع دلالة الآية لتشمل الوسطية في المنهج بين الإفراط والتفريط إنما يبحثون عن مسوغ من كتاب الله تعالى لترويج مصطلح الوسطية الذي جعلوه شعار منهجهم وهم بذلك يفعلون كما فعل الشيعة عندما لم يجدوا اسم على ابن أبي طالب مذكورا في القرآن فزعموا بأنه ورد في قوله تعالى {وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم } وقد سمعت بنفسي أحدهم يقول هذا الكلام في بعض خطب الحسينيات .
إن القضية لا تعني أكثر من توارد في اللفظ وليس لها علاقة بالتوافق في المعنى .
لكن أصحاب الأهواء الشخصية والمبادئ الانتهازية لا يمكن أن تفوتهم فرصة هذا التوارد اللفظي دون أن يغتنموها حتى وإن أدى ذلك إلى التلاعب بالمعنى الذي قصدت إليه الآية الكريمة والذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم .
هناك فرق بين منهج أهل السنة ومنهج أهل البدعة في الاستدلال فأهل السنة يبحثون في الأدلة ثم يعتقدون ما دلت عليه الأدلة .
وأهل البدعة يعتقدون ثم يبحثون في النصوص الشرعية عن مسوغات لاعتقادهم .
وهذا هو ما فعله أصحاب المنهج الوسطي مع قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}.
ولهذا نراهم دائما يصطادون في المياه الع
Comments
Post a Comment